إن تحليل البنية المنطقية للنص الفلسفي تدخلنا في صميم العمل الفلسفي، وتجعلنا نلامس طريقة بنائه لقضاياه وإنتاجه لمفاهيمه وآلياته التعبيرية والاستدلالية.
و هكذا فقراءة النص الفلسفي من خلال الوقوف على بنيته الحجاجية هو أمر يجعلنا ننخرط كقراء مع الفيلسوف في صلب ممارسته لفعل التفكير.
و إذا كانت الفلسفة خطاب ينتجه العقل وموجه إلى العقل ، فإن الفيلسوف يسعى دائما إلى إقناع العقل الآخر بدعواه وبما يعتقد أنه الحقيقة ،من هنا لجوؤه إلى العديد من الأساليب المنطقية والبلاغية التي تسعفه في جعل أفكاره محل قبول من طرف الآخرين ومقنعة لهم.والفلسفة هنا،وإن كانت تستثمر أدوات البرهان المنطقي، فإنها سرعان ما تتخلى عن الصرامة المنطقية لتصنع مناهج جدلية وبلا غية تستهدف ليس فقط الإقناع ،بل الاستمالة و التأثير استفزاز الخيال قصد استنهاض كل القوى والملكات التي تجعل الآخر ينخرط في حركتها الفكريةّّ.وهكذا فكل نص فلسفي يستحضر بالضرورة قارئا يجب إفهامه وإقناعه والرد على اعتراضاته، كما يستلزم الاشتغال على اللغة الطبيعية لكي يستمد منها أدوات الاستدلال المنطقي وجمالية الأساليب البلاغية.
من كل هذا نخلص إلى أن مقاربة النص الفلسفي من خلال بنيته الحجاجية ، تعني بالأساس تحديد كل الآليات والأساليب المستخدمة من أجل التأكيد على الأطروحة وإقناع القارئ بها ، سواء أكانت هذه الآليات برهانا أو أمثلة أو أشباه براهين أو حتى مغالطات.
و من أجل التعرف عن قرب على طبيعة المقاربة الحجاجية للنص الفلسفي، نقترح هذه النماذج التطبيقية التي نأمل أن تكون مفيدة على مستوى الممارسة ،خصوصا وأنها حصيلة تجربة في التدريس، قمنا خلالها بالاشتغال على هذه النصوص وغيرها في محاولة منا لجعل المتعلم ينخرط في حوار مباشر مع نص الفيلسوف لاستكناه دلالاته من جهة ، و تمثل أساليبه الحجاجية من جهة أخرى.
النموذج الأول:
قديم هو المبدأ الذي ينص على وجوب محاكاة الفن للطبيعة، ومن أقدم من قال به أرسطو، ويوم كان التفكير ما يزال في بداياته ،كان من الممكن الاكتفاء بفكرة مماثلة؛ وهي ما تزال تتضمن على كل حال شيئا يمكن تبريره بأساليب وجيهة،شيئا سينكشف لنا كلحظة من لحظات الفكرة،له مكانته في تطورها، مثله مثل لحظات أخرى كثيرة.يكمن الهدف الأساسي للفن بموجب هذا التصور في المحاكاة، وبعبارة أخرى،في الاستنساخ البارع للأشياء كما هي موجودة في الطبيعة ،و تكون ضرورة مثل هذا التقليد الذي يتم وفقا للطبيعة مصدرا بالتالي للذة. إن هذا التعريف يعزو إلى الفن هدفا شكليا خالصا، هدف إعادة صنع ما هو موجود في
العالم الخارجي وما هو موجود فيه،مرة ثانية،وبالوسائل المتاحة للإنسان.لكن هذا التكرار قد يبدو شاغلا عديم النفع لا طائل فيه؛إذ ما حاجتنا إلى أن نرى من جديد في لوحات أو على
خشبة المسرح حيوانات أو مناظر أو أحداثا إنسانية سبق لنا أن عرفناها على اعتبار أننا رأيناها أو نراها في حدائقنا وفي بيوتنا، أو أننا سمعنا، في أحوال معينة، أشخاصا من معارفنا يتحدثون عنها؟ بل يمكننا القول إن تلك الجهود الباطلة اللامجدية ترتد إلى لعبة باعثة على الغرور والإعجاب بالذات،لعبة تظل نتائجها على الدوام دون ما تقدمه لنا الطبيعة.ذلك أن الفن المحدود في وسائل تعبيره،لا يستطيع أن ينتج سوى أوهام أحادية الجانب،ولا يمكنه أن يقدم سوى ظاهر الواقع لواحدة فحسب من حواسنا؛وبالفعل ،حين لا يتخطى الفن المحاكاة الخالصة يعجز عن الإيحاء لنا بواقع حي أو بحياة واقعية:فكل ما في وسعه أن يعرضه علينا لا يعدو أن يكون صورة كاريكاتورية للحياة
من قبيل ذلك أن زوكسيس كان يرسم عنبا له ظاهر جد طبيعي بحيث كان الحمام يخدع به ويأتي إليه لينقره،كما رسم بركسياس ستارة خدعت إنسانا،هو الرسام عينه؛وما أكثر القصص المتداولة عن خداع الفن،يتحدث المتحدثون،في أشباه هذه الحالات،عن ظفر للفن وانتصار...
و يمكن القول، بصورة عامة، إن الفن بتطلعه إلى منافسة الطبيعة بمحاكاتها، سيبقى أبد الدهر دون مستوى الطبيعة، و سيكون أشبه بدودة تجهد وتكد لتضاهي فيلا. ثمة أناس يعرفون كيف يحاكون زغردة العندليب،وقد قال كانط بهذا الصدد أننا ما إن ندرك أن إنسانا هو الذي يغرد على ذلك النحو،وليس العندليب،حتى نجد ذلك التغريد غثا عديم المعنى.
فنحن نرى فيه مجرد تصنع وتكلف، لا إنتاجا حرا من قبل الطبيعة أو عملا فنيا.إن تغريد العندليب يبهجنا بصورة طبيعية،لأننا نسمع حيوانا يصدر،في لاوعيه الطبيعي أصواتا تشبه التعبير عن مشاعر إنسانية.
ما يبهجنا إذن هنا إنما هو محاكاة الطبيعة لما هو إنساني.
- النص الثالث من نصوص التحليل في درس الفن للسنة الثالثة أدبي
- عنوان النص: ليس الفن محاكاة للطبيعة.
- صاحب النص: هيجل Hegel (1770- 1831).
- مرجع النص: المدخل إلى علم الجمال ( عن الكتاب المدرسي، الثانية الأدبية، ط 2003-2002، ص 70
- يمثل هذا النص نموذجا للنصوص السجالية التي تستحضر الأطروحة النقيض من أجل عرضها أولا ثم من أجل دحضها ثانيا، بتبيان ثغراتها و مواطن الضعف فيها، ثم تقديم أطروحة بديلة مع تعزيز كل ذلك بأدلة و حجج.
و هكذا يمكن تقسيم النص إلى فقرتين رئيسيتين:
- الفقرة الأولى: (و تمتد من بداية النص إلى ... مصدرا بالتالي للذة)
وفيها يعرض هيجل للموقف القديم، الذي يعتبر أرسطو من بين القائلين به، و الذي يجعل الهدف الأساسي للفن في محاكاة الطبيعة، هذه المحاكاة التي هي مصدر لذة و متعة لدى المتلقي.
- الفقرة الثانية: (و تمتد من: إن هذا التعريف... إلى آخر النص) و فيها يسوق هيجل مجموعة من الحجج لدحض موقف المحاكاة من جهة و لإثبات موقفه القائل بتجاوز الفن للطبيعة و تعبيره عن مشاعر الروح من جهة أخرى
ويمكن عرض هذه الحجج كما يلي:
- الحجة الغائية: الغاية من فن المحاكاة شكلية خالصة ما دامت لا تنفد إلى عمق الأشياء و تكتفي بتقديم ما هو موجود في الواقع الخارجي.
- حجة المنفعة: فن المحاكاة هو فن لا جدوى منه ما دام يكتفي بتكرار ما سبق أن رأيناه أو تعرفنا عليه في الواقع.
- النتائج التي يقدمها لنا الفنان المحاكي تظل دون مستوى ما نجده في الطبيعة.
- وسائل الفن محدودة، لذلك فهي لا تقدم لنا سوى جانب معين من الواقع و تغفل الجوانب الأخرى.
- لا يقدم لنا فن المحاكاة الحياة الواقعية في حيويتها و قوتها، بل ما يقدمه لا يعدو أن يكون صورة كاريكاتورية للحياة.
- الحجة بالمثال: فن المحاكاة فن مخادع، مثال ذلك أن زوكسيس كان يرسم عنبا شبيها بالعنب الطبيعي، فكان الحمام يخدع به و يأتي لينقره، و مثال ذلك أيضا أن بركسياس رسم ستارة خدعت الرسام نفسه.
- حجة المماثلة: يشبه هيجل علاقة الفنان المحاكي للطبيعة بعلاقة الدودة بالفيل؛ فإذا كانت الدودة لا تستطيع أن تنافس الفيل في قوته و ضخامته مهما حاولت ذلك، فكذلك لا يستطيع فنان المحاكاة أن يصل إلى مستوى الطبيعة مهما بذل من جهد لمنافستها و مضاهاتها.
- حجة السلطة: و نستشفها من عبارة هيجل: " و قد قال كانط بهذا الصدد أننا...".
- حجة المثال: يسوق هيجل مثال الإنسان الذي يقلد تغريد العندليب، حيث نجد في تقليده تصنعا و تكلفا لا يرقى إلى مستوى التلقائية و الحرية التي تطبع تغريد العندليب.
و يستنتج هيجل من مثال العندليب أن ما يبهجنا ليس هو محاكاة الفن للطبيعة بل محاكاة الطبيعة لما هو إنساني، و هو يؤسس هذا الاستنتاج على حجة التشبيه، ذلك أن تغريد العندليب يطربنا لأنه يصدر في لا وعيه الطبيعي أصواتا تشبه التعبير عن الأحاسيس الإنسانية.
و هكذا ينتهي بنا النص، عبر سلم حجاجي يعتمد على تسلسل الحجج، إلى خلاصة رئيسية يمكن التعبير عنها كما يلي:
يجب أن يكف الفن عن محاكاة الطبيعة و أن يتجه بالمقابل إلى محاكاة الروح الإنسانية عن طريق التعبير عما تختزنه من مشاعر و أحاسيس.
النموذج الثاني:
مما يستحق الذكر أنه ليس من الناس ...، دون أن نستثني البلهاء منهم، من لا يقدرون على تأليف كلمات مختلفة، و أن يركبوا منها كلاما يجعلون أفكارهم مفهومة. و بالعكس، فليس من حيوان آخر مهما كان كاملا و مهما نشأ نشأة سعيدة، يستطيع أن يفعل ذلك. و هذا لا ينشأ عن نقص في الأعضاء، لأن المرء يرى العقعق و الببغاء تستطيع أن تنطق ببعض الكلمات مثلنا، ولكنها مع ذلك لا تستطيع أن تنطق مثلنا، أي (أن تنطق) نطقا يشهد بأنها تعي ما تقول، في حين أن الذين ولدوا صما و بكما، فحرموا الأعضاء التي يستخدمها غيرهم للكلام مثل حرمان الحيوان أو أشد، اعتادوا أن يستنبطوا من تلقاء أنفسهم بعض إشارات يتفاهمون بها مع من يجدون فرصة لتعلم لغتهم لأنهم يعيشون لغتهم. و هذا لا يشهد أن للحيوان من العقل أقل مما للإنسان، بل يشهد بأنه ليس للحيوان عقل مطلقا. فإننا نشهد أن معرفة الكلام لا تحتاج إلا إلى قدر قليل جدا من العقل.
و لما كان من الملاحظ التباين بين أفراد النوع الواحد من الحيوان، كما في أفراد الإنسان، و أن البعض أيسر بأن يراض من البعض الآخر، فإنه لا يصدق أن قردا أو ببغاء من أكمل نوعه، يكافئ في ذلك طفلا من أغبى الأطفال، أو على الأقل طفلا ذا مخ مضطرب ... و لا ينبغي أن يخلط بين الكلام و بين الحركات الطبيعية التي تعبر عن الانفعالات، و يمكن أن تجيد تقليدها الآلات كما تقلدها الحيوانات، و لا ينبغي أيضا الذهاب مع بعض المتقدمين إلى أن الحيوانات تتكلم، و لو أننا لا نفهم لغتها، لأنه لو كان ذلك حقا لكان في استطاعتها أيضا، ما دمت لها أعضاء كثيرة تشابه أعضاءنا، أن تتفاهم معنا كما تتفاهم مع أمثالنا.
- النص الأول من نصوص التحليل في درس اللغة للسنة الثالثة أدبي.
- عنوان النص: الكلام خاصية للإنسان.
- صاحب النص: روني ديكارت R. Descartes (1650- 1596)
- مرجع النص: مقال عن المنهج(عن الكتاب المدرسي، الثالثة الأدبية، الطبعة الأولى 1996، ص 13
من خلال قراءة أولية للنص يتبين أن صاحبه يدافع عن الأطروحة التالية:
اللغة ككلام هي خاصية مميزة للإنسان وحده دو ن سائر الحيوانات.
و الإشكال الذي يطرح هنا هو: ما الذي يجعل اللغة الكلامية سمة ينفرد بها الإنسان وحده؟
و للتدليل على الأطروحة التي يقدمها كجواب عن هذا الإشكال يسوق صاحب النص الحجج التالية:
- اعتماد حجة التقابل بين الإنسان الأبله أو البليد من جهة و الحيوان الكامل من جهة أخرى، و يمكن ترجمتها من خلال الجدول التالي
الإنسان الأبله |
الحيوان الكامل |
- من أنقص نوعه عقلا.
- نشأة مضطربة.
- القدرة على التركيب بين الكلمات.
- إنتاج أفكار مفهومة انطلاقا من تلك الكلمات.
|
- من أكمل نوعه.
- نشأة سعيدة .
- العجز على التأليف الكلامي.
- عدم القدرة على إنتاج الأفكار.
|
و هكذا نستنتج من هذا الجدول أن الأبله، و بالرغم من نقص قدراته العقلية، يستطيع أن ينتج أفكارا من تأليفه بين مختلف الكلمات، بينما لا يستطيع الحيوان الذي هو من أكمل نوعه أن يقوم بذلك.
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما السبب في ذلك؟
- ولتفسير هذا الأمر يلجأ صاحب النص مرة أخرى إلى أسلوب التقابل من خلال المقارنة بين الببغاء أو العقعق من جهة و الأصم و الأبكم من جهة أخرى .
و هذا ما يمكن التعبير عنه من خلال الجدول التالي:
الببغاء |
الأبكم |
- كمال في أعضاء النطق.
- القدرة على النطق ببعض الكلمات.
- النطق بالكلمات اعتمادا على التقليد.
- عدم القدرة على إنتاج الأفكار.
- غياب الوعي / العقل.
|
- نقص في أعضاء النطق.
- عدم القدرة على الكلام.
- تعويض الكلام بالإشارات.
- القدرة على إنتاج الأفكار.
- حضور الوعي /العقل.
|
و يستخلص صاحب النص من هذه المقارنة النتيجة التالية:
"معرفة الكلام لا تحتاج إلا إلى قدر قليل جدا من العقل".
و هو ما يعني بطبيعة الحال نسبة اللغة ككلام إلى الإنسان كيفما كانت قدراته العقلية، ما دام يملك عقلا في آخر المطاف، و نفي هذه النسبة عن الحيوان، مهما بلغ من التطور و الكمال بالقياس إلى أفراد نوعه، ما دام يفتقر- بشكل مطلق- إلى العقل.
- و يمضي صاحب النص بعد ذلك في أسلوب المقارنة للتدليل على الفكرة التي يريد إثباتها، و هو الآن يعمد إلى المقارنة بين القرد أو الببغاء من جهة و الطفل الغبي أو المضطرب عقليا من جهة أخرى، و هذا ما يمكن توضيحه من خلال الجدول التالي:
القرد/ الببغاء |
الطفل المضطرب عقليا |
- من أكمل نوعه
- استحالة تعلم الكلام
- السبب: افتقاره للعقل
- اللغة= حركات طبيعية انفعالية و غريزية
- لغة آلية
|
- من أنقص نوعه عقلا
- إمكانية تعلم الكلام
- السبب: امتلاكه للعقل
- اللغة= الكلام المعبر عن أفكار عقلية
- لغة إبداعية
|
و هكذا يصل بنا صاحب النص إلى النتيجة التالية:
اللغة الكلامية هي خاصية مميزة للإنسان وحده ككائن عاقل، و هي لغة إبداعية و متطورة، بينما تظل "لغة" الحيوان مجرد حركات غريزية و آلية و ثابتة تنتفي معها كل قدرة على التطور و الإبداع.
و في الأخير يقدم صاحب النص حجة أخرى لتدعيم موقفه المعبر عنه آنفا : ويمكن صياغتها كما يلي:
لم يتم إتباث في يوم من الأيام أن بإمكان الحيوان أن تتفاهم مع الإنسان مثلما تتفاهم مع أفراد نوعها، و عليه فالحيوانات لا تتكلم ولا يمكن أن تمتلك لغة الكلام الإنسانية.
و تجدر الإشارة إلى أن ديكارت حينما يتحدث عن التفاهم، فهولا يقصد التواصل الحسي البسيط الذي يمكن أن يلاحظ بين بعض الحيوانات و الإنسان، بل يقصد التفاهم في معناه العقلي المركب و الذي لا قدرة للحيوان عليه ما دام فاقدا لملكة العقل.
النموذج الثالث:
أعني بالحق الطبيعي و بالتنظيم الطبيعي مجرد القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد، و هي القواعد التي ندرك بها أن كل موجود يتحدد وجوده و سلوكه حتميا على نحو معين. فمثلا يتحتم على الأسماك، بحكم طبيعتها، أن تعوم وأن يأكل الكبيرة منها الصغير، طبقا لقانون طبيعي مطلق، و الواقع أننا إذا نظرنا إلى الطبيعة في ذاتها، نجد أنها تتمتع بحق مطلق على كل من يدخل تحت سيطرتها أي أن حق الطبيعة يمتد بقدر امتداد قدرتها.
لما كانت قدرة الطبيعة الشاملة كلها لا تعدو أن تكون مجموع قدرات الموجودات الطبيعية، فقد ترتب على ذلك أن يكون لكل موجود طبيعي حق مطلق على كل ما يقع تحت قدرته، أي أن حق كل فرد يشمل كل ما يدخل في حدود قدرته الخاصة، و لما كان القانون الأعظم للطبيعة هو أن كل شيء يحاول بقدر استطاعته أن يبقى على وضعه، بالنظر إلى نفسه فقط، دون اعتبار لأي شيء آخر، فينبني على ذلك أن يكون لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعه، أي في أن يوجد و يسلك كما يتحتم عليه طبيعيا أن يفعل، و في هذا الصدد لا نجد فارقا بين الناس و الموجودات الطبيعية الأخرى، أو بين ذوي العقول السليمة و من هم خلو منها، أو بين أصحاء النفوس و الأغبياء و ضعاف العقول، و الواقع أن كل من يفعل شيئا طبقا لقوانين الطبيعة إنما يمارس حقا مطلقا، لأنه يسلك طبقا لما تمليه عليه طبيعته ولا يمكنه أن يفعل سوى ذلك. فبقدر ما ننظر إلى الناس على أنهم يعيشون تحت حكم الطبيعة وحدها، نجد أن لهم جميعا وضعا واحدا: فمن لم يعرف العقل بعد، أو من لم يحصل بعد على حياة فاضلة، يعيش طبقا لحق مطلق، خاضع لقوانين الشهوة وحدها شأنه شأن من يعيش طبقا لقوانين العقل، و كما أن للحكيم حقا مطلقا في أن يعمل كل ما يأمر به العقل، أي من يحيا طبقا لقوانين العقل، فإن للجاهل، و لمن هو خلو من أية صفة خلقية، حقا مطلقا في أن يفعل كل ما تدفعه الشهوة نحوه، أي أن يعيش طبقا لقوانين الشهوة.
و على ذلك فإن الحق الطبيعي لكل إنسان يتحدد حسب الرغبة و القدرة، لا حسب العقل السليم، و ليس في طبيعة جميع الناس أن تتفق أفعالهم مع قوانين العقل، بل على العكس يولد الجميع في حالة من الجهل المطبق، و قبل آن يستطيعوا معرفة النموذج الصحيح للحياة و ممارسة الحياة الفاضلة، يكون الجزء الأكبر من حياتهم قد انقضى، حتى و لو كانوا على مستوى عال من التربية.
على أنهم يكونون خلال ذلك مضطرين إلى أن يعيشوا و إلى أن يبقوا، بقدر استطاعتهم، على حالتهم الراهنة، أي أن يخضعوا لدافع الشهوة وحده، لأن الطبيعة لم تعطهم سواه، و حرمتهم من القدرة الفعلية على الحياة وفقا للعقل السليم، كما لا يستطيع سواه، و حرمتهم من القدرة الفعلية على الحياة وفقا للعقل السليم، ومن ثم فهم لا يستطيعون العيش طبقا لقوانين الذهن الصحيح كما لا يستطيع القط أن يحيا طبقا لقوانين طبيعة الأسد، و على ذلك فإن كل ما يراه الفرد الخاضع لمملكة الطبيعة وحدها نافعا له؛ سواء أكان في ذلك مدفوعا بالعقل السليم، أم بقوة انفعالاته، يحق له أن يشتهيه طبقا لحق طبيعي مطلق، و أن يستولي عليه بأية وسيلة، سواء بالقوة، أم بالمخادعة، أم بالصلوات، أم بأية وسيلة أخرى أيسر من غيرها؛ و بالتالي يحق له إذن أن يعد من يمنعه من تحقيق غرضه عدوا له.
و نستنتج من ذلك أن الحق و التنظيم الطبيعيين اللذين ينشأ فيهما جميع الناس ويعيشون بموجبهما طوال الجزء الأكبر من حياتهم، لا يحظران إلا ما لا يرغب فيه أو ما لا يستطيعه أحد؛ فهما لا يمنعان النزوع و لا الكراهية و لا الغضب و لا الخداع و لا أي شيء تدفع إليه الشهوة، ولا عجب في ذلك ؛ إذ أن الطبيعة لا تقتصر على قوانين العقل الإنساني الذي يعد هدفه الوحيد هو المنفعة الحقيقية و المحافظة على البشر، بل إنها تشمل على ما لا نهاية له من القوانين الأخرى المتعلقة بالنظام الأزلي للطبيعة بأكملها، التي لا يمثل الإنسان إلا جزءا ضئيلا منها، و ضرورة هذا النظام هي وحدها التي تحتم على كل الموجودات الطبيعية أن توجد و تسلك بطريقة معينة. و على ذلك فكل ما بدا لنا في الطبيعة شيء مضحك أو متناقض أو سيء فذلك يرجع إلى أننا لا نعرف الأشياء إلا جزئيا، و إلى جهلنا الكبير بنظام الطبيعة الكاملة و اتساقها، و رغبتنا في أن ينظم كل شيء حسب ما يمليه عقلنا، مع أن ما يستنتجه العقل لا يكون قبيحا بالنسبة إلى نظام الطبيعة الكاملة و قوانينها بل بالنسبة لقوانين طبيعتنا (الإنسانية) وحدها.
على أن يظل من الصحيح دون شك، أن من الأنفع كثيرا للناس أن يعيشوا طبقا لقوانين عقولهم و معاييرها اليقينية، لأنها كما قلنا لا تتجه إلا إلى تحقيق كل ما فيه نفع حقيقي للبشر، و فضلا عن ذلك فإن كل إنسان يود العيش في أمان من كل خوف بقدر الإمكان، و لكن ذلك مستحيل ما دام كل فرد يستطيع أن يفعل ما شاء، و ما دام العقل لا يعطي حقوقا تعلو على حقوق الكراهية و الغضب، و الواقع أنه لا يوجد إنسان واحد يعيش دون قلق وسط العداء و الكراهية و الغضب و المخادعة، ومن ثم فلا يوجد إنسان واحد لا يحاول الخلاص من ذلك بقدر استطاعته، و لنلحظ أيضا أن الناس يعيشون في شقاء عظيم إذا لم يتعاونوا، و يظلون عبيدا لضرورات الحياة إن لم ينموا عقولهم. و من ثم يظهر لنا بوضوح تام أنه لكي يعيش الناس في أمان و على أفضل نحو ممكن، كان لزاما عليهم أن يسعوا إلى التوحيد في نظام واحد، و كان من نتيجة ذلك أن الحق الذي كان لدى كل منهم، بحكم الطبيعة، على الأشياء جميعا، أصبح ينتمي إلى الجماعة، و لم تعد تتحكم فيه قوته أو شهوته، بل قوة الجميع و إرادتهم.
على أنه كان لا بد لمحاولتهم هذه أن تفشل لو كان الناس قد أصروا على إتباع الشهوة، و إذن فقد كان لزاما عليهم أن يتفقوا فيما بينهم، عن طريق تنظيم و تعاهد حاسم، على إخضاع كل شيء لتوجيهات العقل وحده، و على كبح جماح الشهوة بقدر ما تسبب أضرارا للآخرين، و على معاملة الناس بمثل ما يحبون أن يعاملوا به، و أخيرا على المحافظة على حق الآخرين كما لو كانوا يحافظون على حقهم الخاص.
- النص الأول من نصوص التحليل في درس الحق للسنة الثالثة أدبي.
- عنوان النص: الحق الطبيعي.
- صاحب النص: رسالة في اللاهوت و السياسة(عن الكتاب المدرسي، الثالثة الأدبية، ط 1996،ص185-181).
- يقدم اسبينوزا في بداية هذا النص تعريفا للحق الطبيعي باعتباره مجموعة
القواعد التي تتميز بها طبيعة كل و التي تحدد وجوده و سلوكه حتميا على نحو معين.
و لتأكيد ذلك يعتمد على الحجة بالمثال: و مفادها أن الأسماك بحكم طبيعتها تعوم و يأكل الكبير منها الصغير.
و هكذا يستنتج اسبينوزا:إطلاقية الحق الطبيعي و امتداده بقدر الامتداد على قدرته.
2) ينتقل اسبينوزا بعد ذلك ليؤكد على فكرة أساسية و هي: أن لكل موجود في الطبيعة الحق المطلق على أن يبقي على وضعه و يسيطر على كل ما يقع تحت قدرته.
و لتأكيد ذلك يعتمد على حجة الاستنباط المنطقي الذي تمت صياغته في صورة شرطية كما يلي:
لما كانت ... فقد ترتب عن ذلك ...
لما كان ... فينبني على ذلك ...
ويستنتج من ذلك صاحب النص: أن الإنسان ما دام خاضعا لقوانين الشهوة و لم يرتق بعد إلى العيش طبقا لقوانين العقل، فإن قانون الطبيعة يشمل بقية الموجودات الطبيعية الأخرى.
3) بعد ذلك يعتمد اسببينوزا على حجة المماثلة : من خلال تشبيه العلاقة بين الحكيم و العقل بالعلاقة بين الجاهل و الشهوة؛ فإذا كان من حق الحكيم أن يسلك وفقا لأوامر العقل، فإن من حق الجاهل أن يتصرف وفقا لدافع الشهوة.
و يستنتج من ذلك أن "الحق الطبيعي لكل إنسان يتحدد حسب الرغبة و القدرة لا حسب العقل السليم".
و لتأكيد هذا الاستنتاج يقدم حجتين رئيسيتين:
الأولى: تتلخص في أن الطبيعة لم تمنح الناس سوى دافع الشهوة وحده و حرمتهم من القدرة على العيش وفقا لقوانين العقل ما دام أن الجميع يولد في حالة من الجهل المطبق.
الثانية:و تتمظهر من خلال حجة المماثلة، و التي يمكن تلخيصها كما يلي: عجز الإنسان عن العيش وفقا لقوانين العقل مماثلة لعجز القط عن العيش وفقا لقوانين الأسد.
و يستنتج اسبينوزا من ذلك: أن لكل فرد حقا طبيعيا مطلقا على أن يستولي، و بأية وسيلة، على كل ما يراه نافعا له، و على أن كل من يمنعه من تحقيق غرضه يعتبر عدوا . و الحق الطبيعي بهذا المعنى لا يمنع الكراهية ولا الغضب ولا الخداع.
4) بعد ذلك يعترض اسبينوزا على الاستنتاج السابق اعتمادا على الحجة البرجماتية
أو حجة المنفعة و التي مفادها: أنه من الأنفع للناس أن يعيشوا وفقا لقوانين عقولهم مادام أن العيش وفقا لقوانين الشهوة و الطبيعة أدى إلى حالة من الخداع و الصراع
و الكراهية.
و الخلاصة الأخيرة التي ينتهي إليها النص هي ا لتأكيد على ضرورة الانتقال من الحق الطبيعي الذي يتأسس على الفر دانية و الرغبة و القدرة الذاتية إلى الحق الثقافي الذي يتأسس على الإرادة العاقلة للجماعة التي من شأنها أن تحقق الأمن و تحافظ على حقوق الجميع.
و يمكن ترجمة هذه الخلاصة من خلال الجدول التالي:
الحق الطبيعي |
الحق الثقافي |
- الطبيعة
- قوانين الشهوة
- رغبة الفرد
- الاختلاف
- استباحة حقوق الآخرين
- الصراع و الكراهية
|
- الثقافة
- توجيهات العقل
- إرادة الجماعة
- التعاهد/ الاتفاق
- المحافظة على حقوق الجميع
- الأمن و التعايش السلمي
|
النتيجة= ضرورة الانتقال من الحق |
الطبيعي إلى الحق الثقافي |
النموذج الرابع:
و إذا كنا نعتقد معشر المسلمين أن شريعتنا هذه الإلهية حق، و أنها التي نبهت على هذه السعادة، و دعت إليها التي هي المعرفة بالله(عز و جل)، و بمخلوقاته،(فإن) ذلك متقرر عند كل مسلم من الطريق الذي اقتضته جبلته و طبيعته من التصديق، و ذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم من يصدق بالبرهان، و منهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، و منهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية.
و إذا كانت هذه (الشريعة حقا)، و داعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا، معشر المسلمين، نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه و يشهد له.
و إذا كان هذا هكذا، فإن أدى النظر البرهاني على نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون: قد سكت عنه (الشرع) أو عرف به.
فإن كان (قد سكت) عنه، فلا تعارض هنالك، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام، فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي.
و إن كانت الشريع&