Accueil
Retour
Contactez-nous
statistiques
Nos partenaires

 

 


التاريخانية الجديدة : نحو منهج نقدي أدبي حديث

لحسن حمامة : (أستاذ اللغة الإنجليزية، باحث مغربي، عضو اتحاد كتاب المغرب، و له العديد من المؤلفات)

في البداية يتعين التأكيد على أن مصطلح (Historicism) يكتنفه اختلاف في الترجمة العربية. يترجمه عبد الله الفذاس بالتاريخانية إسوة  بالمفكر المغربي عبد الله العروي, و يترجمه عبد العزيز حمودة بالتاريخية, و يترجمه مجدي وهبة في قاموس المصطلحات الأجنبية بالنزعة التاريخية, علما بأن الزائدة (ism) تفيد نزعة أو اتجاه. و إذا كانت لفظة (Historiocity) تعني التاريخية بما هي مطابقة السرد لواقع التاريخ, و (Historiography) هي التأرخية التي هي تسجيل الأحوال و الأحداث التي يمر بها مجتمع ما في حقبة معينة, فإن ل (Historicism)  خلفية فلسفية, و ترمي حسب القاموس إلى  تفسير الأشياء في ضوء تصورها التاريخي, و تبدو منه صور في الفكر القديم و المتوسط... و في الأدب هي دراسة المؤلف أو الحركة الأدبية بوصفها وظيفة للتطور الفني والسياسي و الاجتماعي و الديني في مجتمع ما. وهذا التغليب للعنصر التاريخي في الدراسة الأدبية يرجع إلى الفيلسوف الألماني هيغل. بناء كل ذلك و قياسا على Rationalism المترجمة بالعقلانية, و Formalism التي تترجم بالشكلانية, نرى من الأصوب ترجمة New Historicim بالتاريخانية الجديدة.

يشكل هذا الاتجاه في الممارسة النقدية الأدبية, منهجا جديدا في القراءة و التأويل, طوره الناقد الأمريكي ستيفن غرينبلات في بداية الثمانينات من القرن الماضي, خلال اهتمامه بعصر النهضة. و تؤول حدته إلى كونه امنح من حقول معرفية حديثة لعل أهمها نظرية فوكو الثقافية.

انتهى المشروع البنيوي إلى سجن اللغة كما عبر عن ذلك فريدريك جيمسن في كتابه « the prison house of language »  , و أثبتت التفكيكية فوضى إستراتجيتها و عدمية متاهاتها اللانهائية, بعد أن رفضت خارج النص. في ظل هذا الوضع ظهرت اتجاهات نقدية جديدة تروم رأب هذا الصدع, و تسعى إلى ردم الهوة الفاصلة بين مختلف العلوم الإنسانية.

و لعل أهم هذه الاتجاهات هي المادية الثقافية, التي قادها مثقفين محسوبين على اليسار الجديد في بريطانيا, و رائدها ريموند وليامز, و الماركسية الجديدة مع فريدريك جيمسن, و تيري إيجلتون, ثم التاريخانية الجديدة مع ستيفن غرينبلات و لري منتروز, و لئن كان ما يوحد بين هدف الاتجاهات هو استظلالها بمظلة النقد الثقافي, و انطلاقها عن نقطة بداية ماركسية الطابع, فإن المادية الثقافية و الماركسية الجديدة أكثر ماركسية من التاريخانية الجديدة, من حيث اتكاؤها على أفكار ألتو سير، فيما تعتمد التاريخانية الجديدة على فوكو. بدأت المادية الثقافية في أواخر السبعينات  ثم تطورت مع جوناثان دوليمور في الثمانينات و مع ألان سين فيلد، مؤكدة على التفاعل بين الإبداعات الثقافية وبين سياقاتها التاريخية بما فيها عناصر البنية الفوقية و التحتية. وهذا التفاعل هو الذي حل محل مفهوم الانعكاس في الماركسية التقليدية، هكذا رامت المادية الثقافية تجميل وجه الماركسية التقليدية، حيث إن الأسماء التي ارتبطت بها منضوية تحت اليسار الأوربي الناضج.

        وإذن فقد كانت المادية الثقافية و الماركسية الجديدة إفرازا لتغييرات جذرية تقدمية الطبع بصفة مبدئية مقارنة بمحافظة الماركسية التقليدية. لم يعد النص الأدبي وثيقة تاريخية منتفية فيها الجوانب الجمالية كما أبانت عنه الماركسية الساذجة، بل وأكثر من ذلك ،فإن مع هذين الاتجاهين صار التحول نحو السياقات المنتجة للنص والمحددة له، والسياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية التاريخانية، وظروف الطبقة والجنس والقاعدة المادية. كان هذا هو المبدأ العام في هذين الاتجاهين هو العودة إلى النص.

        وقبل أن نعرض لأوجه الاختلاف والائتلاف بين المادية الثقافية التاريخانية الجديدة،يجمل بنا أن نعرض لتعريف التاريخانية الجديدة، ومفاهيمها وآليات اشتغالها. يشكل هذا الاتجاه نسخة أمريكية للمادية الثقافية من حيث المبدأ العام بينهما هو نظرتهما إلى طبيعة الأدب ووظيفته. ولعل التسمية لهذا الاتجاه تعود إلى ستيفن غرينبلات سنة 1982 ثم سيغيرها إلى "الشعرية الثقافية" بحيث يقول في ذلك:" إن النقد الأدبي الذي له علاقة بهذه الممارسة يتعين أن يكون واعيا بمكانته كتأويل ويسعى إلى فهم الأدب كجزء من نسق العلامات الذي يشكل ثقافة ما. وهدفه الخالص هو الشعرية الثقافية"(1)لكنه لا يلبث أن يعود على الاسم الأول الذي هو التاريخانية الجديدة. ويعرفها كالتالي:" إنها دراسة الإنتاج الجمعي للممارسات الثقافية وبحث العلاقات بين تلك الممارسات...وكيف جرت المعتقدات و التجارب الجمعية ثم نقلها من وسيط على آخر مركز في شكل جمالي يمكن التعامل معه، ثم تقديمها للاستهلاك، وكيف خططت الحدود بين الممارسات الثقافية التي تعتبر أشكالا فنية و بين الأشكال الأخرى ذات الصلة"(2). ويعرفها لوي متزوز بقوله إن" التاريخانية الأكثر جدة فهي جديدة في رفضها للفوارق المبسطة بين" الأدب والتاريخ" وبين النص والسياق جديدة في مقاومتها للاتجاه السائد في افتراضها لوجود فرد مميز وموحد ومستقل _سواء كان ذلك الفرد مؤلفا أو عملا_

يوضع أمام خلفية اجتماعية أو أدبية"(3), ثم يضيف: "من الوضح أن الموضوعات الجمالية و الأكاديمية المستقلة تنهم من جديد على أساس ارتباطها بصورة لا يمكن فصلها، و أن كانت معقدة بالخطابات و الممارسات الأخرى، و هذا الرابط يشكل الشبكات الإجتماعية التي تجري ذاخلها تشكيل الذوات الفردية و البنى الجمعية بصورة متبادلة و مستمرة"(4)

إن التاريخانية الجديدة تؤكد، إذن، على خارج النص باعتبار ان النص الأدبي يتحدث بالياقات الإجتماعية و التاريخية و السياسية و الإقتصادية و يحددها. هكذا، و بعيدا عن المنى الديردي يسعى هذا الإتجاه إلى ربط النص الأدبي من حيث كونه إحدى المؤسسات الثقافية، و بين الخطابات الأخرى غير الأدبية عند مستوى البنية الفوقية، و ليس النص و العلاقات الإجتماعية للإنتاج عند مستوى البنية التحتية. إن دلإلة النص الأدبي ترتهن بالعلاقات التناصية مع الخطابات غير الأدبية كالرساءل، و اليوميات و الإعلانات، و الأفلام، و الفن التشكيلي، و الكتب الهزلية، وموضة الأزياء، و الرساءل الطبية و التطورات التكنولوجية إلخ... و لعل الإستقبال الواسع لهذا المشروع من قبل النقد ما بعد الحداثي، و نظريات الخطاب يجد مسونه من كونه قد عبر الحدود الفاصلة بين المعارف: أي السعي إلى التعاقل المعرفي (interdisciplinarity ) .
إن النص و التاريخ عند التاريخانية الجديدة ليس كيانين منفصلين، كما رأى إلى ذلك النقد التاريخي الذي يمثل حركة من خارج النص إلى ذاخله بحيث يكون الناقد صورة مسبقة عن عالم المؤلف أو العصر، ثم يشرع في قراءة النص باعتباره التجسيد الأدبي للتاريخ. على أن العكس يحدث مع هذا الإتجاه الجديد، إذ يمثل حركة من ذاخل النص إلى خارجه بحذف إعادة بناء التاريخ و ربط الأحداث و الشخصيات المتخيلة بأحداث و شخصيات تاريخية.
و هكذا، فالأدب في نظر غرينبلات هو أحد الوساءط التعبيرية التي تنقل المعتقدات و التجارب الجمعية في شكل جمالي، و بذلك يدوم هذا الإتجاه إلى العودة إلى الإهتمام بالظروف التاريخية و الإجتماعية و السياسية لإنتاج و إعادة إنتاج الأدب و النتاءج المترتبة عن ذلك بناء على النصوص باعتبارها أشكالا من العمل الثقافي يحددها التاريخ و تحدده، أو بتعبير اخر العلاقات المتبادلة كما هددها منتروز، مبدأ التفاعل كما عبرت

(يتبع)