يورد أحمد اليبوري في كتابه" تطور القصة القصيرة’ مرحلة التأسيس’ تصريحا لعبد الله إبراهيم يقول فيه إن مستقبل القصة القصيرة في المغرب سيكون مزدهرا, و بالفعل صدقت الرؤيا, حيث عرف المشهد القصصي منذ ما ينيف عن ثلاثة عقود تراكما هاما من النصوص القصصية على صفحات الملاحق الثقافية, و المجاميع القصصية , و البقية
آتية لا ريب فيها. على أن هذا التراكم و إن كان ذا طبيعة صحية, فإن النوعي منها أقل من الكم. و داخل هذا النوعي برز اتجاه جديد أو حساسية جديدة قتلت القديم بحثا, بحيث لم تعد مرتهنة بالكتابة الواقعية, وإنما هدفت إلى تأسيس نص مغاير يلازم متغيرات القضايا المجتمعية و متناقضاتها. و إن أجمل الابتكارات هي تلك التي نبتت في تربة أكثر رسوخا كما عبر عن ذلك عبد الرحيم الكردي. و لقد كان لتطور المجتمع و روح العصر الانفتاح على الآداب العالمية دور حاسم في النظر إلى الكتابة القصصية و محاولة تثو يرها وفق ما يقتضيه العصر من قضايا راهنة لعل أهمها الثورة على الكتابة التقليدية, و تجاوز نمطيتها و انغلاقها. هكذا جاءت الكتابة القصصية الجديدة أو ما يسمى بالتجريب لتمنح النص أفقا منفتحا على تعدد القراءات و تعدد الدلالات.
إن هذا التقويض للبناء التقليدي للقصة القصيرة أفضى إلى استحداث تقنيات جديدة تشتغل داخل المادة اللغوية وفق معالجة فنية خاصة, تستلزم من القارئ أفق انتظار مغاير يوازي النص الجديد بهدف الوصول إلى مستوى التأويل الثاوي في مضان النص, باعتبار أن هذا الأخير يلمح أكثر مما يصرح .
و لعل النظرة الا ستقرائية الفاحصة لمجموعة "الهنيهة الفقيرة" لسعيد بوكرامي تكشف عن قدرة هذا القاص على تمثله لآليات إنتاج نص إبداعي تجريبي يمتح من الواقع الراهن موضوعه, لكنه يفارقه في ذات ألان وفق إستراتيجية محكمة تمنح نصوصه أدبيتها و تفتحها على أفق دلالي, بما هو أفق رؤية شخصيات مشدودة إلى عالم العزلة و اليأس و الإحباط. بحيث إن كل عناصر البناء الفني للنصوص من حدث و شخصية ومكان و زمان, تهجس بهذه الحالات. فإذا كانت الصورة الكلامية ترسم ملامح الشخصية ضمن سياق الحدث, فإن التوظيف الفني للزمان و المكان يكشف عن أعماق الشخصيات المحورية, من حيث هي مراكز دلالية تستقطب معجما خاصا يعمق هذا الأفق.تقول الشخصية الرئيسية في قصة "في بلد العجائب": ٌ على طول الموت سوف أسترد كل ما ضاع منيٌ (ص.11 ). ماذا ستسترد هذه الشخصية من خلال الموت؟ أليس الموت نهاية صلاحية الأشياء حسب تعبير أحد الفلاسفة. ثم أليس الإحباط و اليأس موتا؟
تتأسس البنية الدلالية في الخطاب السردي في هذه المجموعة على مركزين استقطابيين نعتبرهما الأساس الذي ينهض منه الملفوظ السردي. هذان المركزان هما الشخصية و واقعها ضمن سياق يتسم بالصراع المفضي إلى حالات الإحباط."فكيف لا أفقد أجنحتي و أنا أتثاقل بالمؤامرة و أغوص في الخيانة "(ص9) و إذا كانت المؤامرة تأتي من الخارج, فإنها ترتد إلى الذات حيث تصير عاجزة عن العطاء:" و حتى إذا تزوجت فإني أخاف على سلالتي مني."(8) بل تصبح هذه الذات مصدرا للعدوانية:" عندما قالت لي إن بأحشائها بذرة مني, رفعت وجهي إليها فبدا لي عدوانيا"(14). هذه الأحاسيس لهذه الذوات المتشرذمة لا تجد من خلاص سوى الهروب من واقع اخذ في نسفها:"غير أنني راغب في الهروب من بلاد فسدت و احتلت و شرذمت ..." (ص.16), بعد أن ينغلق عليها باب الفهم و الإدراك:" لعله يعثر على تأويلات للحروف العابرة, فيربط بذلك ما بين الرسم و المعنى"(ص.15).
في نصوص سعيد بوكرامي تفارق الكتابة, إذا, مألوفية الكتابة التقليدية, و تقوم على مبدإ المغايرة الكلية. فالصورة هي ما يشكل أساس النصية, ليس باعتبارها صورة ساكنة, و إنما صورة متحركة بفعل الخبر الذي ينقل إلينا أفعال هذه الذوات المتشذرة, و صورها القاتمة. فالنصوص متوترة لا تكتب بالحبر و إنما بدم الرواة. و داخل هذه الصور ترشح النصوص بالإحساس بضيق الفضاء و انغلاقه في زمن متوقف:" ثمة دائما عقارب للساعة, لكن عقارب هذه الساعة جامدة, و ميناؤها غميق"(ص.30). ثم تقول الشخصية المحرومة من الاسم في نص "صورة الطائر":" لا أعرف زمن هذا الوقت. الغبار اجتاح المدينة. انفسخ كل إحساس بالزمن".(ص.30)
إنها صور تتقاطع مع عبثية كافكا و عجائبية بوتزاتي, حيث داخل هذه الفضاءات تفقد الذات كل إحساس بإنسانيتها. تحن إلى الحرية, لكنها تجد ذاتها قاصرة عن تحقيق ذلك:" أما س.ب فقد فقدهما(الأجنحة) منذ عهد بعيد.(ص.7) و لعل الحرفين الأولين يحيلان على سعيد بوكرامي الذي ليس هو كاتب النصوص, و إنما شخصية نصية تتأكد تخييليتها داخل النص
الحكائي. و من هنا فهي شخصية مفارقة للواقع الحقيقي و مرتبطة بالواقع التخييلي. هكذا, فأي تطابق بين الاسمين لا يفضي إلا إلى قراءة إسقاطيه. هذه التقنية نجدها عند بوتزاتي, خصوصا في قصة" إلى السيد المدير". هكذا يتحول الواقع إلى تخييل و العالم كله إلى زيف:"العالم كذبة كبيرة, مجرد حلم كابوسي لأناس عصابيين يعيشون في مكان ما لم يوجد قط"(ص.13). و يصير التواصل منعدما:"لم أنصرف الجميع. كل ما أعددته من كلام طار في الهواء"(ص.25). بل إن الكلام منطوقا و مكتوبا يصير قاتلا:" يمكن أن ألجأ إلى ما كتبته من قبل لدحض الفكرة القائلة إن النوم بالأقراص كفيل بترتيب الإدراك لأن ما حشوت به بطني منها كان يدفعني إلى دخول أنفاق مظلمة و لقاء أشخاص يقولون كلاما قاتلا..."(ص.26). و تقول الشخصية في "الغرفة السوداء":"- انتبه أيها الأبله, الحرب قادمة رغما عنك. و الكتب إن لم تقتلها قتلتك"(ص.19). و ليس هذا فقط, ألا يعني استحضار س.ب. في النصوص سخرية بما هي تقنية هامة؟
لعل الإحباط يجد مرده في الحلم المجهض, بما هو حلم عاشت عليه الشخصية في سبيل تغيير واقعها الذي كان أكبر من طموحاتها. ففوزي- و هنا نلاحظ أن الاسم له دلالة على المسمى- يعيش على الماضي لتفادي إحباطا ته:" و دون مقدمات يتحدث عن أيام الجامعة و الصراعات مع المخبرين والرجعيين, عن الحزب الذي أقبر الثورة قبل السلطة,عن هيجانات الشوارع الجائعة, و عن الرصاص الذي اخترق الناس, عن حبيبته التي ابتلعها نثلث الدعارة.و حين يتعب القلب أمام دهشة البعض وملل البعض الآخر يقفل عائدا صامتا إلى غرفته حيث يتقيأ الذاكرة ."(ص.43) و يكون مآله الانتحار.من جاء عنوان النص يحمل دلالة التوقف:stop/eject .
و إذا كان الانتحار هو مآل فوزي باعتباره بطلا إشكاليا, فثمة مستويات رمزية للانتحار. لعل أهمها العزلة الذاتية, من حيث هي انكفاء على الذات, و اجترار ذكرياتها داخل الصمت. تقول الشخصية في قصة "بلد العجائب":"- برافو شهر كامل و أنت في البيت, حطمت الرقم القياسي في الاعتكاف."(ص.14) . و تقول إحدى الشخصيات في قصة"الغرفة السوداء":" نحن لا نريد قتله. نريد أسره."(ص.18). تأتي العزلة أيضا من إدراك الذات لذاتها من خلال المعرفة, باعتبارها نشاطا فكريا يفتح الذهن على واقعه:"ما حشوت به بطني منها (الكتب)كان يدفعني إلى دخول أنفاق مظلمة و لقاء أشخاص يقولون كلاما قاتلا..."(ص.26). غير أن هذه العزلة لا تتحرر إلا في الليل/الحلم من حيث هو نشاط ذهني غير خاضع لمقتضيات الواقع و إكراها ته. هكذا لا تجد الذات سوى الحلم كتعويض. نقرأ في قصة "طوق الغمام":" عندما يأتي الليل نترك أرواحنا في استراحة و يفتح الباب الأبيض لكي نخرج قليلا لقضاء حاجاتنا."(ص.36)
يستقطب المركز الدلالي للواقع عناصر لتعزيز بؤرته الدلالية. هذه العناصر لا تشمل الشخصيات المعيقة لحرية الشخصيات الرئيسية و حسب, بل تتضمن أيضا الموجودات و الأشياء. غير أن الرواة لا يصرحون عن رؤاهم إزاءها, و إنما يلتمسون التغريب و السخرية و الرمز من أجل تقويض المركز المعارض الذي هو الواقع المضمر لهذه الإعاقة: تقول الشخصية في "في بلد العجائب":"قلت له إن لا شيء ينتظره الإنسان سوى الموت على سريره دون محن مستشفيات البلاد المليئة بدرا كولات وخفافيشهم البيض"(ص.14). إن مثل هذه الانزياحات-وهي كثيرة في المجموعة- تضفي دلالة عميقة على نسيج الخطاب, و تتجاوز المعجم الدلالي الضيق. فالموت هنا أهون من امتصاص الدماء, أي من استغلال المرضى من قبل الطبيب و الممرضات. و لعل هذه هي الدلالة المغيبة التي ينتزعها فعل القراءة, كقراءة غير بريئة لنص غير بريء. و هذا ما تصرح به الشخصية الساردة في قصة "معجم الطيور"حيث تقول تلميحا لا تصريحا: " لم لا مادام العبور لن يتم إلا بواسطة الأقنعة. أخذ من الجاحظ السخرية, و من التنوخي الإيجاز من المعري التغريب. لكنه وجد نفسه في مفترق الطرق, فلجأ إلى امرئ القيس و المتنبي وأبي نواس. أخذ من الأول المتاهة ومن الثاني الحكمة ومن الثالث الحر بائية"(ص.8). و هذه هي التقنيات التي سيتوسلها المؤلف الضمني باعتباره خيطا رابطا لكل النصوص من أجل تمرير خطابه.
في " الهنيهة الفقيرة" تجلو النصوص ذاتها كنصوص تتمنع لكنها تمتنع عن القراءة الساذجة الإسقاطية الصائرة إلى الطريق المسدود بفعل ابتذالها أو انغلاقها في الغموض المجاني. بل أنها تمنح مفاتيحها لقراءة تأويلية تجد مرتكزاتها في تفكيك آليات اشتغالها المبني على اللغة الإيحائية, بهدف تمرير خطابها, و مراوغة واقع خنق التعبيرالصريح.لا تعود اللغة هنا فارغة من محتواها, بل تؤكد سلطتها التعبيرية من خلال وعي ورؤية و أيديولوجية شخصياتها. و هي سلطة تفارق مرجعها, لكنها تحيل عليه وفق نسيج جمالي يضمن لها الانفتاح وتعدد البؤر الدلالية. فبقدر مايعلو الواقع بكل تمظهراته و تناقضاته, فإن الجمالي يعلو عليه. و بذلك فهي نصوص حية تحيا بفعالية قرائها المستجيبين لشروط آليات التأويل. لأن النص كما الناقد صدوق نور الدين" يحيا حياته الأبدية بوجود خاصية التأويل" (حدود النص الأدبي"(1984:20).
و إذا كانت مادة القصة القصيرة هي اللغة, فإن هذه الأخيرة في المجموعة تخترق ذاتها من خلال التشذير و الكثافة و الإيجاز, ساعية بذلك إلى الخروج بالنص إلى دائرة أوسع, بل إنها في بعض النصوص تلتمس منطق الحلم حيث تضيق العبارة و تتسع الرؤيا. و من هنا تأتي القصة عند بوكرامي مثل الصاروخ الذي ألقي من طائرة نحو هدف مقصود على حد تعبير أيخنباوم. و لعل الهدف هنا هو ذلك التأويل الذي يتحقق من خلال العلاقة التفاعلية بين النص و القارئ. " الهنيهة الفقيرة", إذا, مجموعة قصصية و إ ن كانت تؤسس لشعرية الإحباط والانكسار و الأفق المسدود من خلال بنيتها الدلالية, فإنها لا تضع مسافة بينها وبين القارئ, و إنما تزج به في فعل الحكي ودينامية التأويل.
-----------------------------
بوكرامي, سعيد, "الهنيهة الفقيرة", منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة, 2002 |