الرمزي و المتخيل في بنية و اشتغال الحقل الصوفي - نحو رؤية سوسيو – أنثروبولوجية (*)
الدكتور محمد جحاح : أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية-جامعة المولى إسماعيل مكناس
|
تقديــــــم
لقد ارتبط ظهور التصوف وتطوره- كتجربة دينية- بفكرة) الموت( . بل اكثر من ذلك، فقد اكتسى مفهوم الموت لدى المتصوفة، أبعادا فلسفية عميقة، سيكون لها- بشكل أو بآخر- نتائج وامتدادات على مستوى الحياة الإجتماعية والسياسية أيضا. وقد مـيز هؤلاء بين شكلـين من الـموت: ) موت طبيعي( و) موت صوفي( وهــو الأرقى- باعتباره شكلا من أشكال التوحد و)الفناء في الله (. ومن أهم ما يميز هذا التصور، أنه لا يقيم أي تعارض بين الموت والحياة. بحيث تتماشى الحدود بينهما-) على امتداد المعراج الصوفي( - ليصبح) الفناء( أو الموت الصوفي، هو إيذان بحياة جديدة وشكل متجدد من الوجود. فكيف يتجسد ذلك على مستوى الخطاب والممارسة الصوفيين؟ وما هو المنطق الذي تتأسس عليه هذه الممارسة؟ وهل هناك استراتيجية ما تحكم وتوجه تلك الرحلة الصوفية-) المعراج الصوفي( - ، التي نعتبرها بمثابة : ) رحلة موت من أجل إحقاق ولادة جديدة( ؟ وبالتالي، من يكون هذا المولود الجديد المبحوث عنه ؟ وكيف يتم تمثله كحضور على مستوى المجتمع ؟ وأخيرا كيف- وفي أية شروط- يتم الإنتقال والإرتقاء بالممارسة الصوفية من مستواها) الروحي/ الرمزي( إلى مستوى زمني ؟ لعل هذا ما حاولنا أن نجيب عنه، من خلال محاولة استنطاق الحقل الرمزي للممارسة الصوفية ، وما ارتبط بها من تمثلات اجتماعية. والمقال التالي هو محاولة متواضعة في هذا الاتجاه. في الواقع، إن دراستنا لظاهرة التصوف، وما ارتبط بها من مفاهيم ومعتقدات وممارسات؛ هي محاولة، بقدر ما يمكن اعتبارها مغامرة للعقل من داخل مجال هو نفسه يستثني العقل وينبذه، بقدر ما تبقى- وفي حدود معينة- مساهمة طموحة في البحث من وراء تكلسات "الديني" و "الخارق" عن منطق سوسيولوجي ناظم وموجه. وهذا المنطق بالطبع، هو الذي يمكن أن نفهم على أساسه مختلف ” الأصناف والأفكار التي ينظر من خلالها الأفراد إلى العالم، وتشكل رؤيتهم“. [1]وعلى هذا الأساس إذن، فإن أية محاولة لفهم، أو بالأحرى إعطاء مضمون سوسيولوجي ـ تاريخي لمفهوم "الصلاح"؛ تبقى في اعتقادنا مرتهنة بعملية حفر اركيولوجي* في بنية التمثلات الثقافية والرمزية لشخصية الصالح، سواء كتمثل ذاتي "داخلي"، وهذا ما يقدمه الصالح عن نفسه هو من خلال المرجعية الصوفية **، أو كتمثل اجتماعي موضوعي كما تجسده نظرة المجتمع إليه وتصوره له. والتمثل بالطبع لا يتم إلا عبر عدد من الرموز والدلالات والمرجعيات، التي ليس "الديني" و "اللغوي" إلا عنصرا من عناصرها. من هذا المنظور إذن، فعملية التمثل تظل مرتبطة اشد الارتباط بعملية التأويل؛ والتأويل في حد ذاته يظل محكوما ومرهونا بالسياق (الاجتماعي / التاريخي) للفاعلين الاجتماعيين، من حيث هو محاولة إنتاج وإعادة إنتاج للمعنى. وفي هذا الإطار، فقد أكدت الدراسات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية أيضا2 ، بأن إعطاء المعنى يظل دائما محكوما بالحقل الاجتماعي، وبشكل أكثر دقة، برمزيات هذا الحقل3 . كما اعتبر ”الرمز عنصرا من العالم الإنساني للمعنى“4. وهكذا، فإن البحث يجب أن يتركز حول المجتمع ذاته، فهو المرجع الأساس لتفسير كافة أنماط الفعل الإنساني؛ مما يجنبنا السقوط في مأزق التفسيرات الميتا -اجتماعية (méta – sociales) 5. إن كل تمثل إذن، ينتظم وفق منطق محدد، وهذا المنطق هو ما نسعى إلى الإمساك به، وضبطه من داخل حركة الصلاح ( maraboutisme) كحركة صوفية بالأساس، وكشكل من أشكال الممارسة والفعل التاريخيين. فإذا كانت الظاهرة قد تبدو ـ إذا ما نحن اكتفينا بالمرجعية المناقبية ـ مكثفة لكل أشكال الخارق والخرافي و "الغير عقلاني"؛ فإنه وخلف هذه الأشكال والتكثفات، يمكننا الإمساك بمظاهر "عقلانية"؛ خاصة، عقلانية تسعى نحو ” الانفتاح على حقل الممكنات، وراء التكثفات المجمدة التي يفرضها الواقع“ 6. ولئن كانت الممارسات والمعتقدات التي أفرزها الحقل الصوفي بالمغرب، ودون استثناء، قد لا تحيد عن قاعدة الغموض والالتباس، - مما قد يوحي بغياب تام للمعنى - فإن التحليل السوسيولوجي و الأنثروبولوجي أيضا قد يثبتان العكس تماما؛ على اعتبار أن أية ممارسة أو فعل، بما فيها الممارسة الصوفية - كتجسيد لظاهرة (دينية ـ اجتماعية)- هي ذات معنى ودلالة لدى ممارسيها7. وأنه لا يمكن فهمها وضبط منطقها الخاص، إلا من خلال السياق السوسيو- تاريخي الذي تحرك فيه هؤلاء الفاعلون، وتفاعلوا معه. وفق هذا التصور إذن، يمكن العودة إلى المجتمع ومحاولة فهمه في تاريخيته، على اعتبار أن التصوف قد ندركه كجزء لا يتجزأ من هذه التاريخية. ولئن كان مفهوم التاريخية (l’historicité) هذا، - وكما صاغه (ألان توران) - قد يعني تلك القدرة التي يمتاز بها كل مجتمع، على إنتاج ذاته باستمرار، وذلك عبر إنتاج و تحديد حقله الاجتماعي والثقافي، ووسطه التاريخي الذي يميزه 8 ؛ فإن ظاهرة الصلحاء باعتبارها شكلا من الأشكال الاجتماعية للممارسة الصوفية، قد توجد وتفهم في صلب هذه التاريخية. إن مقاربة الظاهرة الصوفية في تاريخيتها إذن، قد تعني لدينا البحث من وراء "الديني" و "الميتولوجي" عن ذلك المضمون التاريخي والسوسيولوجي للظاهرة. أمام هذا التعقيد الذي يسم الظاهرة إذن، وأمام تداخل وتمفصل أبعادها ومستوياتها، فإن المطلوب هو تظافر جهود كل من التاريخ، السوسيولوجيا والانثروبولوجيا لرصد الظاهرة في مستويات تداخلاتها تلك. وربما بفضل هذا، يمكننا الوقوف على ما اصطلح عليه (مارك بلوخ) : Marc Bloch ب » المناخ الاجتماعي الكلي« 9 l'ambiance sociale totale- - للظاهرة. انسجاما مع ما تقدم، فإننا سوف نعمل على تقديم خطاطة عامة حول أهم مستويات ومسلكيات الممارسة الصوفية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية سوف نعمل على رصد بعض رموز ودلالات من داخل هذه الممارسة، والتي نراها تكثف بشكل أو بآخر عناصر سلطة (رمزية ـ روحية)، هي ما سوف تستثمره حركة الصلحاء في إطار ممارستها وأنشطتها المختلفة ـ وإن كان تنظيم الزوايا فيما بعد ـ هو الذي سيستثمر، وبشكل جيد، رموز هذه السلطة ويعطيها أبعادا (سياسية ـ زمنية) واضحة المعالم. I - قواعد ومسلكيات التصوف : فكرة عامة. إن للممارسة الصوفية كما هو معلوم، قواعد وضوابط ومسلكيات خاصة. ومن هذا المنظور، فقد اعتبر التصوف علما قائما بذاته، له مناهجه الخاصة به وطرقه في الرؤية والتشخيص. فهو علم يقوم على أساس الذوق والكشف واستكناه الحقيقة في باطنها. وهذه مهمة ليس للعقل فيها أي منفذ، ” لأن العقل لا يعرف إلا ما يقع عليه الحس، أي لا يعرف الأشياء إلا في ظواهرها، أما الأشياء في حقائقها وكنه وجودها، فمن وراء طاقته أبدا“ 10. وقد اعتبر المتصوفة بأن مصدر المعرفة الحقيقية هو القلب ؛ وعن طريقه فقط يمكن الوصول إلى ” الحقيقة في معدنها“ 11. ربما هذا ما يفسره ” ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية“ 12. أما على مستوى آخر، مستوى الممارسة الصوفية كممارسة روحية تعبدية، فقد حدد (الإمام الغزالي) ـ كواحد من كبار المتصوفة ـ طريق التصوف في : ” تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه المهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك، كان لله هو المتولي لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم، وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت“ 13. وإذا كان هذا النص يعطينا فكرة عامة حول "طريق التصوف"، فإن هناك مسلكيات ومراحل محددة لسلوك هذا الطريق، كطريق موصل إلى الله. ولعل هذا ما تجسده "الأحوال" و "المقامات" الصوفية التي وضع فكرتها (ذو النون المصري). إن خلاصة ذلك إذن، هي أن ” طريق الوصول إلى الله شاق وعسير، يجب أن يتدرج فيه المريد في مراحل يسلم بعضها إلى بعض، ولذلك سموا السير في الطريق سفرا وحجا، وسموا السائر سالكا“ 14. وهذه المراحل هي بالتحديد ما يعرف في القاموس الصوفي بالمقامات، فهي إذن، ”مراحل ومحطات يسلكها الصوفي للوصول إلى مرحلة الفناء في الذات الإلهية “.15.والمقامات عند (الشيخ الجزولي) خمسة 16 : 1 التوبة : وتعني الحسم مع الشر والتوق لفعل الخير .2 الزهد : إذ ” لا تتم التوبة إلا بدفع الدنيا من القلب، ولا تدفع الدنيا إلا بالزهد“.17 .3 المجاهدة : ” والزهد هو بداية المجاهدة ومحو الصفات المذمومة، وبالمجاهدة تتم مخالفة النفس والهوى (...)“.18 .4 المراقبة : و ” هي حفظ الروح من ارتكاب الإثم (...) وهو مقام المتوسطين. (...) إن المجاهدة والمراقبة مقامان مكتسبان للعبد“.19 .5 المشاهدة : وهي ” لأرباب التمكين، ويعتبرها الجزولي مقام المنتهين، وهي جذب ليس للعبد فيه اكتساب “.20 هذا بخصوص المقامات الصوفية، أما فيما يتعلق بالأحوال فهي أيضا عند المتصوفة غير ثابتة ومحددة، سواء من حيث الترتيب أو العدد، بل أحيانا قد تتداخل المقامات بالأحوال. ويمكن إجمالها في: ”التأمل والقرب، والخوف، والرجاء، والشوق، والأنس، والطمأنينة، والمشاهدة، والتعين“21. بعد هذا العرض المركز حول أهم خصائص ومسلكيات الممارسة الصوفية، ألا يمكن الوقوف على منطق ناظم لهذه الممارسة ؟ إذ : ما معنى، وما دلالة بعض المقامات والأحوال من داخل الحقل الصوفي ؟ ولماذا ذلك الحضور المكثف لعدد من المفاهيم من قبيل: (التوبة، الفناء، المشاهدة، العودة،...) ؟ أليست هي محطات، أو مراحل ترسم مسار تلك "الرحلة المعراجية" التي يحققها المتصوف عبر مدارج الأحوال والمقامات الصوفية ؟ فما هي دلالات هذه "الرحلة المعراجية" ورمزياتها إذن ؟ وما دلالة تلك العودة الجديدة التي تعقبها ؟ هذه إذن أسئلة من بين أخرى، سوف نحاول إيجاد بعض عناصر الإجابة عنها من خلال ما سيأتي. II - التصوف بين "تجربة الموت" والرغبة في "تجديد الولادة". في الواقع، قد يبدو التساؤل حول أصل ظاهرة التصوف ذاتها ـ كجزء أو مظهر من تجربة دينية 22 ـ له ما يبرره. فهو بمثابة المدخل الذي يمكن الولوج عبره، ومن خلاله، إلى مساءلة البنيات الخفية التي تشتغل بعمق من داخل المنطق الناظم لمسلكيات وطقوس الممارسة الصوفية. وفي هذا الإطار، يذهب أحد الباحثين إلى الربط بين ظهور التصوف وتطوره كتجربة دينية، وبين فكرة الموت، كشعور وكتجربة. فالموت بالنسبة للصوفي هو ” الموضوع المهم الذي يصلح أن يكون باعثا للاتجاه نحو التصوف“.23وقد استدل الباحث بتجربة الغزالي الذي كثف كثيرا فكرة الموت، أو بالأحرى (الخوف من الموت)؛ وما يثيره من قلق وجودي (أنطولوجي)، في إطار فلسفته الصوفية. وعلى هذا الأساس، فقد سعى الباحث إلى تفسير الظاهرة الصوفية كنتاج لتمثلات الإنسان حول مشكلة الموت، وما يعقبها من مصائر تراجيدية .24 لكن، وإذا ما نحن سلمنا مع الباحث بأهمية "فكرة الموت" هذه، فهل هذا يعني أن ينسحب مفهوم التصوف على كافة أشكال الممارسة الدينية ؟ * والتي تتأطر بشكل عام في سياق مقولتي (العقاب) و (الثواب). علاوة على ذلك، هل "الصوفي" وحده هو الذي أدرك ذلك المصير التراجيدي الذي قد يخفيه (عالم ما بعد الموت) ؟ مع العلم أن النص الديني واضح في هذا الإطار.25 إن التجربة الدينية، بمعناها الواسع، هي بالأساس تجسيد خاص لعلاقة الإنسان بالله. وعلى ضوء هذه العلاقة المضبوطة والمقننة يتحدد "الإنسان الديني" 26 كما تتحدد طبيعة سلوكه وممارساته التعبدية، وفق نظام صارم وثابت من ” القوانين الأخلاقية المعيارية التي تفصل بكل وضوح بين الخير والشر“.27 إذن، ليس الخوف من الموت شعور ينفرد به المتصوفة دون غيرهم. كما أن علاقة التصوف بالموت، يمكن أن نفهمها في اتجاه معاكس تماما لما قد يفهمه الباحث. فإذا كان الباحث قد اعتبر "الخوف من الموت" بمثابة الباعث على الاتجاه نحو التصوف، فإننا نرى العكس تماما؛ بحيث أن ممارسة التصوف، هي ذاتها تجسيد لرغبة ملحة في الموت. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الموت الصوفي، هو إيذان بحياة أخرى. فقد يعني الفناء في الله، كشكل من أشكال هذا الموت، هو بداية حياة أخرى جديدة. على ضوء ما تقدم إذن، فإننا نفترض بأن الممارسة الصوفية، ورغم ما تكثفه من مفاهيم ومعاني الموت، تظل ـ وفي مستوياتها الروحية العميقة- تجسيدا لرغبة مكبوتة في إحقاق "ولادة جديدة"، ولادة لن تتم إلا عبر، ومن خلال الموت . وفي نفس السياق، فقد أثبت الباحث (ميرسيا إلياد)، من خلال دراساته لعدد من أساطير الشعوب ودياناتها- ولم يستثن من ذلك حتى الممارسات الصوفية "الاستسرارية"28- بأن هناك فكرة جوهرية تتمحور حولها هذه الممارسات؛ ألا وهي "الرغبة في التجدد" عن طريق ولادة جديدة. ولادة مسبوقة بموت رمزي29، وهذا ما يسميه الباحث ب "الولادات الصوفية". إنه شكل من أشكال البحث عن استمرارية مفقودة مع الأصول والبدايات30. وفي حدود هذه الاستمرارية، الكل يحيل على الروحاني، إذ لا وجود لتعارض إذاك بين الروح والجسد31. ولا وجود أيضا لأي شكل من أشكال الاغتراب عن الخالق32. إنها بالطبع، رغبة في الوصول إلى نمط أسمى من الوجود، ولا يتم ذلك إلا عن طريق ”تكرار الحمل والولادة طقسيا، رمزيا“.33وفيما يلي، سوف نحاول اقتراح (نموذج مثالي) نتوسم فيه تلك الأداة التي قد تساعدنا على الاقتراب أكثر من ذلك المنطق الخفي الذي تنتظم وفقه وعلى أساسه الممارسة الصوفية في تعقدها وتشابك مستوياتها وأبعادها. وقد اخترنا التركيز من داخل هذا النموذج على مستويين، نفترض فيهما ذلك التمثيل الجيد لباقي المستويات الأخرى : * المستوى الأول: (مرحلة المخاض الصوفي). · المستوى الثاني: (مرحلة الولادة الجديدة). 1- IIنحو نموذج مثالي للممارسة الصوفية إن هذا النموذج المثالي Idéal type إذن يعتبر في تقديرنا، الأكثر تمثيلا للممارسة الصوفية ـ على تعدد واختلاف مسلكياتها (أحوال ومقامات). كما نعتبره أيضا، الأوسع دلالة من داخل الحقل الصوفي ومن خارجه أيضا، كالتقاء وتقاطع مع حقول أخرى من الممارسة (الاجتماعية، السياسية). والنموذج المثالي بهذا المعنى، وكما حدده (ماكس فيبر : Max Weber )، وطبقه كأداة منهجية في دراساته حول: أنماط السلط، وتصنيفه للمجتمعات البشرية ولظاهرة التمدن وأنماط الفعل الإنساني؛ 34هو نموذج يقوم على أساس ترتيب وتصنيف مجموعة خصائص وسمات تعتبر الأكثر دلالة وتعبيرا عن واقع الظاهرة المدروسة. وهو من هذا المنظور، ليس وصفا للواقع، بل أداة تساعد الباحث على وصف الواقع. وليس اختزالا للواقع أو استنساخا له، بل هو مجرد نموذج مثالي يحاول الاقتراب من ذلك الواقع قصد فهمه. وهو ليس فرضية، بل يساعد الباحث على صياغة الفرضيات. كما أنه ليس مفهوما بل هو إطار يساعدنا على صياغة وتطوير المفاهيم. ولعل القيمة العلمية للنموذج المثالي* تكمن في طبيعته المرنة، وانفتاحه على غنى وتنوع الظاهرة، من خلال رصد أهم السمات والخصائص العامة والمشتركة ـ المفترض أنها مكمن المعنى الذي نبحث عنه من داخل الظاهرة-. في إطار الممارسة الصوفية إذن، وإذا كانت (فرضية العودة إلى الأصول) ـ كعودة محكومة برغبة في تجديد الولادة ـ لها ما يؤكدها من داخل مسلكيات التصوف، فإنه ينبغي التذكير أيضا، بأن هذه الفرضية لا يمكن فهمها إلا على ضوء فرضية أخرى، وهي (فرضية الذنب المؤسس للوجود البشري على الأرض). بحيث سيحظر هذا الهاجس "الذنب" بشكل لافت من داخل الممارسة الصوفية. بل أكثر من ذلك، سوف يشكل القوة الدافعة، التي تفسر منطق تلك "الحرب المرتدة" التي يخوضها المتصوف ضد نفسه- في إطار تجربة صوفية عسيرة- . فماذا عن هذه التجربة إذن ؟ وماذا عن المنطق الذي يحكمها ؟ من منظور ديني، قد يبدو العالم "الدنيوي" منقسما على نفسه، تتنازعه قوتان متصارعتان، وهذا ما تجسده فكرتا (الخير) و (الشر). فـ ” على الرغم من بعض الاختلافات فيما يتعلق بالتصورات الخاصة للخير والشر، فإن معنى هذا التعارض الجوهري، ومداه كونيان“.35وقد وقف الباحث (ميرسيا إلياد) مليا على هذه الفكرة، في إطار دراساته حول عدد من الأديان والأساطير، وفي حضارات مختلفة. بحيث أن وجود الإنسان في هذا العالم الدنيوي " الفاني" كان نتيجة لضعف أمام قوى الشر، أو خطأ ارتكب من طرف أب أو ” سلف ميطيقي؛ وهذا ما أضاع على الإنسان نعمة الخلود“،36و "حميمية العالم العلوي" كعالم للحقيقة والخير المطلقين37. لعل هذا ما يذكرنا أيضا بقصة "آدم" مع "إبليس" كما جاء في » القرآن الكريم« 38 . من هذا المنظور إذن، فإن هناك ذنبا مؤسسا للوجود البشري على الأرض. وجود يمكن اعتباره كـ (ضريبة) عن خطإ ما. خطأ سيرسم البدايات الأزلية لتراجيديا "الإله المفارق"39. كما أن هذا الوجود، هو وجود محكوم بتنازع مستمر بين هاتين القوتين الأزليتين : (الخير والشر). وإذا كانت مقولة الشر في الديانة الإسلامية قد تأتي مرادفة لـ "الشيطان"، فإن التصوف الإسلامي قد أعطى مضمونا فلسفيا وعمليا لذلك الصراع الذي يخترق النفس الإنسانية. وحدد بذلك السبل والمسلكيات لقهر ذلك الشر (الشيطان)* . ليس بغريب إذن، أن يرتبط التصوف في الإسلام بالإلحاح على موضوع "النفس" ؛ وضرورة تطويعها ومراقبتها. ويبقى هذا النص للإمام الغزالي جد ناطق في هذا الإطار : ” اعلم أن أعدى عدوك، نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمارة بالسوء، ميالة إلى الشر، فرارة من الخير، وأمرت بتزكيتها وتقويمها، وقودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالـقها، ومنعها عن شهواتها وفطامها عن ذاـتها (...)“.40 وفي حديث نبوي أيضا، فإن ” الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم“.41 إن المطلوب إذن، هو خوض حرب ارتدادية نحو الذات، لقتل ذلك الشيطان الذي يسكنها ويتملكها . وتلك هي فكرة المجاهدة في التصوف؛ مجاهدة تبدأ بإعلان التوبة أولا. وقد اعتبر المتصوفة "مقام التوبة" ”هو الأرض بالنسبة لجميع المقامات، فكلها مبنية عليه“.42ولعل هذا ما يؤكد أكثر، فرضية الإحساس بالذنب من داخل الممارسة الصوفية، كممارسة تنشد التخلي نهائيا عن كل وسائط الارتباط والانشغال بالدنيوي، ومحاولة السمو نحو الأعلى. إنه شكل من أشكال القتل الرمزي (للجسد) باعتباره المركز الذي تتقاطع من داخله كل وسائط الارتباط تلك، باليومي (le quotidien) وبالزمن التاريخي43. وكل هذا يمكن اعتباره جزءا من استراتيجية عامة ـ غير مصرح بها، في إطار الممارسة والخطاب الصوفيين ـ هي " استراتيجية المحو الطقوسي للجسد"،44 ومحاولة السمو بالروح*. وربما هذا ما يفسر تمثل العامة لجسد الولي الصالح، كجسد لايتفسخ بعد الموت. لانه أصلا لا جسد له ، لقد حسم معه أثناء حياته ، مارس في حقه القتل و المحو . كما أن جسد الولي الصالح وفق ذات التمثل اشمل و ابعد من أن يختزل في عضويته. في هذا الإطار إذن وفي نطاق إحالتها على الروحي، فإن حقيقة الإنسان هي » حقيقة مقدسة« ،45 وهذا "التقديس" بالذات، هو ما كان ينشده "الصوفي"، بل هو "الرأسمال الرمزي" الذي سيكسبه عبر رحلته المعراجية، والذي يفسر "سر" هيبته ونفوذه الروحي. في الواقع، لا يمكن فهم، أو بالأحرى تتبع مسار تلك الرحلة المعراجية التي يقوم بها "الصوفي" - بحثا عن إحقاق ولادته الجديدة تلك، كولادة روحية - إلا من خلال مفهوم "الخلوة" أو "الاختلاء". فهذا الأخير، يكتسي بعدا جوهريا في صلب الممارسة الصوفية، باعتباره من جهة، يشكل واقعا حميميا وجزءا لا ينفصم من سيرورة ذلك المخاض الصوفي العسير، ومن جهة أخرى، فإن مفهوم "الخلوة" يصبح مؤشرا على تحول ما، انتقال ما؛ وهنا بالذات يمكن الحديث عن دور "العتبة". ففي مستوى أول تعتبر "الخلوة" أو "الاختلاء" كعتبة للانتقال من : (الاجتماعي) إلى (النفسي)، من (الزمن التاريخي) - زمن الناس العاديين- إلى (الزمن السيكولوجي) الداخلي. ويوازي هذا الانتقال، على مستوى ميداني، هجرة المتصوف من المجتمع والانكفاء إلى "رحم" قد يحتضنه طيلة فترة المخاض تلك، إلى حين إنضاج شروط ولادته الجديدة. أما على مستوى ثاني، فقد تعني العتبة هنا، ذلك (المجال) وتلك (اللحظة) الذين يسبقان زمن الولادة الصوفية*، وفي نفس الآن يعتبران بمثابة إيذان على حدوثها. وهنا بالذات يكون المتصوف قد وصل، في إطار "معراجه الصوفي" إلى عتبة "الصعود والانتقال من (مقام المجاهدة) إلى (مقام المشاهدة). إن المشاهدة إذن هي إعلان عن نهاية الرحلة الصوفية، وإيذان ببداية رحلة أخرى معكوسة، عودة جديدة وشكل جديد للوجود. وفيما يلي سنحاول تقديم فكرة حول أهم العناصر الدالة من داخل هذه المسيرة الصوفية، التي يمكن أن نقول عنها أنها : "مسيرة موت" لإعلان "ولادة جديدة" وشكل متجدد للوجود. ولن يكون الشكل المبحوث عنه من خلال هذه "الولادة الصوفية" إلا ذلك (الولي / الصالح)، الذي تولاه الله وانكشف له سر الملكوت46. II . 2مرحلة "المخاض الصوفي" أو الانكفاء إلى الرحم. لقد اختار المتصوفة مجالات خاصة لممارسة "خلوتهم الصوفية". ولئن كان المعطى الطبيعي والإيكولوجي يلعب دورا ما في اختيار هذا المجال أو ذاك، فإن البعد الرمزي يبقى هو الأكثر حضورا ودلالة من داخل هذا الاختيار، لما قد يشكله الرمز من أبعاد جوهــرية تؤسس لوجود الإنسان، ولعلاقاته بذاته، بالآخـرين وبالكون47. ومن هذا المنظور إذن، تشكل الرمزية العامة (symbolique générale) قاعدة تستند عليها المجتمعات في ضبط وتنظيم علاقاتها مع الطبيعة، الكوسموس والإلهي (Divin)؛ كما تبنين على أساسها العلاقات التي تربط بين مختلف الفاعلين 48، وبينهم وبين المجال. في هذا السياق إذن، واعتبارا لرمزيتها، فقد شكلت المغارات ـ بالنسبة للمتصوفة- أماكن مفضلة للاختلاء والتزهد، كما هو الشأن أيضا بالنسبة لقمم الجبال وبطون الأودية، وغيرها من "أماكن التجلي" 49 . وليس غريبا أن تكون ” عبادة المغارات ومنابع المياه، ظاهرة مهيمنة في المغرب“. 50فالمغارة، بقدر ما تجسد (رمزيا) عالم التحت (الظلام)، كموطن للجن والأرواح، بقدر ما هي تجسيد لذلك الانفتاح على الخارج عالم (النور). إنها بمثابة عتبات عبور وتداخل بين عالمين متناقضين، عالمين من طبيعة مختلفة تماما، ولعل هذا ما قد يكثفه التصور الكوسمولوجي السائد أيضا. إذ ليس العالم بالنسبة للإنسان ” مجرد بنية مادية مرئية (...) بل هو كذلك بنية لا مادية مكونة من الزمن، ومن الإيقاعات والعلاقات والعلامات المخبوءة“ . 51 على هذا الأساس إذن، ومن وجهة نظر بنيوية، فإن المجال يمكن أن يتأسس وينتظم وفق سلسلة من التقابلات، من قبيل: (الظلام / النور، الأسفل / الفوق، الشمال / اليمين، المدنس / المقدس، المغلق / المنفتح،...)52 هناك إذن مجموعة من التقابلات التي يمكن أن يكثفها المجال، خاصة بالنسبة للمتصوف. فسواء تعلق الأمر بمغارة أو صحراء أو جبل، فإن الثابت البنيوي الذي يمكن أن نعثر عليه من داخل هذه الرمزية - وإن بأشكال ملتبسة أحيانا - هو ذلك التقابل الجوهري الذي يحيل في مداه وحدوده القصوى على تعارض أزلي بين : "الخير" و "الشر"، "المقدس" و "المدنس". وعلى أساس هذا التعارض، يمكن فهم أقطاب الثنائيات الأخرى؛ كما أن الممارسة الصوفية ذاتها، لا يمكن فهمها إلا من خلال، وفي إطار ذلك التعارض التراجيدي والرغبة الملحة في إلغائه أنطولوجيا. ومن هذا المنظور، تبدو رحلة المتصوف المعراجية، هي أولا وقبل كل شيء، رحلة عن عالم "الثنائيات" المؤسسة للوجود البشري، والبحث عن الواحد والمقدس. يبدو إذن بأن رمزية المكان، أو الأمكنة التي يقصدها المتصوفة لممارسة خلوتهم، قد تكثف بشكل أو بآخر سلسلة من التقابلات التي ربما قد تكون مقصودة لرمزيتها الدالة في هذا السياق. فإذا كانت المغارة قد توحي بتداخل وتقاطع بين عالمين متناقضين، وهذا ما تكثفه رمزيات التقابل بين (الظلام / النور)، (التحت / الفوق) و (الداخل / الخارج)؛ فإن الصحراء أيضا قد توحي في امتدادها اللامحدود، بفكرة الالتقاء الأفقي بالسماء والالتصاق بها، مما يجعل من هذا المجال التجسيد الرمزي لذلك التقاطع بين عالمين متناقضين: عالم الأرض (الدنيا) وعالم السماء (الغيب). وقد تشتغل نفس الدلالة الرمزية أيضا بالنسبة للجبل، باعتباره ذلك الامتداد العمودي نحو السماء؛ والذي يوحي برغبة ما في الالتحام بالفوق، كتجسيد لرغبة ذلك الإنسان نف |