تعد الانقسامية بحق، من بين النظريات التي مارست إغراء كبيرا على الباحثين، خاصة المهتمين منهم بمجال المجتمع القروي بالمغرب(1) وشمال إفريقيا. وقد تبدو أهمية هذه النظرية وجاذبيتها أيضا، في طابعها التبسيطي، وفيما تقدمه من قدرة على استيعاب مختلف أشكال ومستويات الحياة الاجتماعية والسياسية، ضمن مقولات أكثر بداهة وأولية من قبيل: مقولة "النسب". هذه الأخيرة التي تشكل البنية الارتكازية لأي تحليل انقسامي، والمفهوم الذي تتحدد من خلاله وعبره كافة مستويات التنظيم الاجتماعي والسياسي "الانقسامي"؛ بدءا من أصغر وحدة (العائلة)، وانتهاءا بأكبرها وهي (القبيلة).
قد تبدو هذه النظرية إذن، وفي تركيزها الشديد هذا على مفهوم النسب، أقرب إلى نظرية ابن خلدون حول "العصبية القبلية"، لدرجة "يصبح ابن خلدون عندها أب التجزيئين (…. ) خاصة لما يعالج (… ) علاقة الدولة بالمجتمع ومسألة اللاتمركز عند المغاربيين"(2). وهنا بالذات تكمن إحدى أسس الطرح الانقسامي التي لم تأخذ حقها بما يكفي من الدراسة والتحليل.
في الواقع، لا يمكن نفي ذلك التأثير القوي الذي مارسته النظرية الخلدونية هذه حول "العصبية"، ليس فقط على الانقساميين وحدهم، بل أكثر من ذلك على من سبقهم من مؤرخي وإثنوغرافيي الإدارة الكولونيالية الفرنسية. لكن الذي يمكن قوله بخصوص هؤلاء قد ينطبق – إلى حد بعيد – على الانقساميين: فالكل انطلق من "نصوص خلدونية مفصولة عن سياقاتها، أو دون أخرى تعدلها وتنقحها"(3). علاوة على ذلك، نضيف بأن ابن خلدون نفسه – ورغم موضوعيته – قد ظل سجين تطلع سياسي نحو دولة إمبراطورية وسلطة مركزية، وهذا ما لم يتحقق في إطار تجربة الدولة الموحدية ولا المرينية التي خلفتها؛ مما جعله يضخم من واقع التجزئة و"الانقسام" الذي حال دون هذا التطلع(4). ومن هنا أصل رؤيته الانقسامية، التي جعلت (إرنست كلنر) يصفه بالمؤسس الفعلي للخطاب الانقسامي حول المجتمعات المغاربية.
لكن، إذا كانت إحدى أصول الأطروحة الانقسامية تمتد، بشكل أو بآخر، إلى حدود ابن خلدون ونظريته تلك حول "العصبية والدولة" كما صاغها في مقدمته الشهيرة(5)، فإن الأساس النظري والإبستمولوجي – بالمعنى الدقيق للمفهوم – والذي يؤسس لهذه الأطروحة، قد يعود بأصوله إلى السوسيولوجيا الوضعية Sociologie positive خاصة مع إميل دوركهايم E. Durkheim . ونستحضر هنا بالتحديد، ما كتبه هذا الأخير حول المجتمع "القبائلي" بالجزائر، ضمن كتابه الشهير "حول تقسيم العمل الاجتماعي"(6) باعتباره عملا مرجعيا في هذا الإطار. فقد غذى كثيرا تلك النزعة "الانقسامية" التي سرعان ما تم احتضانها ضمن مشروع الأنثروبولوجيا الاجتماعية الأنجلو – سكسونية، خاصة مع الباحث الإنجليزي (إيفانس برتشارد)(7).
إذا كان الباحث الأنثروبولوجي (إيفانس بريتشارد) هو أول من طبق إذن مبادئ التحليل الانقسامي، في إطار دراسات ميدانية حول قبائل "النوير" (Newer) السودانية وقبائل البدو الموالية للزاوية السنوسية بصحراء "برقة" الليبية، فكيف يمكن تقييم محاولات من سبقوه في هذا التوجه الانقسامي: خاصة (إميل دوركايم) و (روبير مونطاني) R.Montagne ، وقبلهم ابن خلدون بالطبع؟ وما مدى مساهماتهم في تشكيل عناصر اقتصاد مفاهيمي، سوف يشكل رأسمالا تأسيسيا للبناء النظري الانقسامي؟ أو بشكل أدق: كيف، وإلى أي حد يمكن الحديث عن نوع من الاستمرارية والتقاطع بين الخطابين "الخلدوني" و "الوضعي" من جهة وبين "الخطاب الانقسامي" حول المجتمعات المغاربية؟ وفي نفس السياق أيضا، ما هي أهم الموضوعات والقضايا التي تركزت حولها اهتمامات الباحثين الانقساميين؟ وما هي أهم الانتقادات التي يمكننا توجيهها لهم في هذا الإطار؟
-Iابن خلدون والتأسيس للخطاب الانقسامي حول المجتمعات المغاربية.
في مقال له تحت عنوان "العرب والبربر في مختبر التاريخ الاستعماري"، شدد الأستاذ (بنسالم حميش) كثيرا على ما اعتبره – بشكل من الأشكال- علاقة تأسيسية بين كل من الأطروحتين: الكولونيالية "الفرنسية"، والانقسامية "الأنجلو-سكسونية" من جهة، وبين نظرية ابن خلدون حول "العصبية والدولة" من جهة ثانية(8). فقد كان تعاطي هؤلاء مع المتن الخلدوني تعاطيا انتقائيا، بحيث تم التركيز على عناصر من داخل النظرية ومفاهيم دون غيرها؛ كما تم اعتماد نصوص مبتورة من سياقاتها العامة أو دون نصوص وشواهد أخرى تكملها وتعدلها(9). ولعل هذا ما يفسر سوء الفهم الذي ميز تعاطي هؤلاء مع النظرية الخلدونية، التي استحالت معهم إلى مجرد نظرية حول العنف والعنف المضاد.
بل أكثر من ذلك، لا يقف الأمر هنا عند حدود (مسألة سوء فهم) فقط، إنما نعتقد جازمين بأن التعبير الأنسب لتوصيف هذا الوضع هو: (أنه كانت هناك سوء نية) وجهت علاقة هؤلاء مع المتن الخلدوني – كعلاقة انتقائية – . وهذا ربما يحيلنا، بشكل أو بآخر، على واحدة من أهم خصائص الخطاب الاستشراقي؛ من حيث نزوعه الانتقائي ذاك، أو ما اصطلح عليه الأستاذ (إدوارد سعيد) بالطبيعة "الاقتباسية" للاستشراق(10).
إذن، فاختيار نص دون آخر، والتركيز على جوانب دون غيرها، أو زوايا نظر دون أخرى لاستجلاء معالم هذا النص واستنطاقه، هي سياسة مدروسة بدقة؛ (ولا بأس أن نتحدث هنا عن نوع من الاقتصاد السياسي للمعنى). فالنص، أي نص، لا يحمل بداهته في ذاته، إنه عملية بناء وهدم مستمرة من أجل توليد المعنى: (وهذا ما يقتضيه منطق التأويل)؛ أو بتعبير اقتصادي: إنه مادة خام يمكن تشكيلها عن طريق صهرها أولا (وهذا ما نعنيه بالتحويل).
وفق هذين المنطقين المتكاملين إذن: منطق "التأويل" ومنطق "التحويل"، اشتغل إثنوغرافيو ومؤرخو الإدارة الاستعمارية على المتن الخلدوني: (هانوتو – ما سينيون- ج. دراك- هنري طيراس- دوتي- ميشو بيلير … )، لتكتمل الصورة بشكل أوضح مع من أعقبهم من أنثروبولوجيي المدرسة الأنجلو-سكسونية ذات التوجه البنائي - الوظيفي، والتي أصبحت تعرف بالمدرسة الانقسامية: (إيفانس بريتشارد- إرنست كلنر- د. هارت- ر. جاموس – جون واتربوري… ).
لقد شكل النص الخلدوني إذن، لدى هؤلاء- (خاصة الانقساميين)، تلك الأرضية المهيأة والمعدة سلفا لبناء نظري أشمل وأدق، وهو ما ستتمخض عنه النظرية الانقسامية لاحقا؛ وكأن ابن خلدون توقف بمجهوده عند حدود تمهيد الأرض ووضع الأسس والدعامات. لعل هذا ما عبر عنه صراحة أحد أقطاب المدرسة الانقسامية، والأمر يتعلق هنا بإرنست كلنر حين اعتبر بأن نظرية العصبية عند ابن خلدون، ظلت صالحة لفهم وتحليل التاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمعات المغاربية إلى حدود الدخول الاستعماري للمنطقة. بل أكثر من ذلك، كل ما حدث هو تطوير هذه النظرية والارتقاء بها من "نظرية العصبية" إلى "نظرية الانقسام والتجزيء"(11)؛ وليس هناك أبلغ من هذا الاعتراف -من قبل إرنست كلنر- الذي يعتبر فيه بأن ابن خلدون كان انقساميا في تحليلاته للمجتمعات المغاربية، من دون أن تكون لديه مفاهيم انقسامية(12). وهنا إقرار بالأصل - كمصدر للاقتباس- لدرجة يصبح معها الخطاب الانقسامي بمثابة خطاب للمجتمعات المغاربية والعربية حول نفسها، عبر وسيط هو ما تقدمه الكتابة الأنثروبولوجية في قالب نظري واضح ودقيق. بمثل ما أصبح الاستشراق ذلك التشكيل الخطابي والجمالي، الذي يتحدث من خلاله وعبره ذلك "الشرق المتوحش" عن نفسه، عبر وسيط هو عين الغرب المتقدم وعقله المدرك تمام الإدراك كيف تصنع الحقيقة وتروج بلا غيا؛ من داخل النص وعبره.
ألم يكن الاستشراق وفيما بعد الأنثروبولوجيا، ولا يزالان، عناصر حاسمة ضمن أخرى في إطار استراتيجية الهيمنة الشاملة للغرب الإمبريالي على باقي العالم؟! هنا بالذات تفتح مسارات أخرى للبحث هذا ليس مجالها.
لنعد إذن إلى موضوعنا، ونرى كيف أثرت نظرية "العصبية القبلية" لابن خلدون على الأطروحة الانقسامية، من خلال بعض الأمثلة.
من الأمور التي لفتت انتباه الدارسين أكثر من غيرها، بخصوص ابن خلدون وفكره الاجتماعي، ارتباط اسم هذا الأخير بعلم جديد حقق قفزة نوعية في مجال المعرفة الاجتماعية لذلك الوقت – (من دون أن يعني ذلك طبعا إنجاز قطيعة إبستمولوجية مع كل ما كان سائدا من أنماط معرفية سابقة)- . والأمر يتعلق هنا بعلم العمران البشري، الذي اعتبره صاحبه بمثابة علم جديد، ذي قانون خاص به وموضوع ومنهج متميزان. وقد عرفه بما يلي: "وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد الأخرى. وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا"(13).
ليس هدفنا هنا هو مناقشة هذا العلم الجديد، والتعريف به وبحدوده، وهل يستحق ابن خلدون من خلاله أن يسمى المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع كما يذهب البعض(14). بل ما يهمنا أكثر – (وارتباطا دائما بالإشكالية التي تطرحها هذه المقالة)- هو كيف قسم ابن خلدون موضوع علمه الجديد هذا إلى نوعين: "عمران بدوي" و "عمران حضري"؟ وكيف تصور طبيعة العلاقة الممكنة بين المستويين؟ لأنه في صلب إشكالية العلاقة هذه، وفي الطريقة التي يعالجها بها أيضا، تبرز ملامح وعناصر الخطاب "الانقسامي" الخلدوني. كيف ذلك؟
لقد درس ابن خلدون علاقات البدو بالحضر كنمطين مختلفين من العمران البشري، معتبرا إياها السبب المحرك لما يسجله التاريخ من وقائع وأحداث حربية، سياسية، اقتصادية وثقافية. وقد شكل المجتمع المغاربي إبان الحقبة التي عاشها (أواخر الدولة المرينية: القرن 8هـ/ 14م) ميدانا لملاحظاته وتفكيره، لينتقل إلى دراسة الممالك البربرية السابقة على هذه المرحلة (مرابطين و موحدين)، مطورا بذلك نوعا من المنهج المقارن في دراسة تاريخ الدول الإسلامية في المغرب والمشرق(15). ويعرف ابن خلدون علم التاريخ بأنه علم يهتم بأحوال الاجتماع الإنساني، وهو يقول في هذا النص بأن: "… حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش، والتأنس، والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها… "(16).
ما يهمنا من كل هذا إذن، هو كيف تصور ابن خلدون حركة التاريخ؟ وما هي القوة المحركة له؟ وما هو أفق هذه الحركة وطبيعتها؟!
في الواقع، إن حركة التاريخ عند ابن خلدون هي حركة انتقال دؤوبة من طور البداوة إلى طور الحضارة، وفي عملية الانتقال تلك، تلعب الدولة دورا أساسياباعتبارها أفقا ومقياسا لهذه الحركة. فمتى كثر العمران وزادت كثافته كانت الحضارة أكمل لأنها غايته، وفي نفس الوقت نهايته. هذه النهاية التي لن تكون سوى نهاية الدولة، بحكم فسادها الناتج عن سيادة قيم الترف والركون إلى الدعة التي هي إضعاف لشوكة العصبية إلى حد التلاشي. هكذا – وفي إطار نظرية الزمن الدائري التي يعتمدها ابن خلدون في تفسير التاريخ – فما دامت الدولة تسعى للانتقال دوما من حالة البداوة إلى حالة الحضارة، فهي محكومة بنفس القانون: أن تسقط وتنهار، لأن بلوغ غاية العمران القصوى، - أي الحضارة – هي إيذان بسقوطه. والنتيجة دائما هي نفسها، سقوط عصبية قبلية وصعود عصبية أخرى محلها، بحكم أنها هي الأقوى لأنها لا زالت تحتفظ بشروط تجذرها (أي البداوة). بهذا الشكل إذن، يستحيل تاريخ المجتمعات المغاربية إلى تاريخ عصبيات ودول، الواحدة تسقط والأخرى تخلفها؛ ومحور الصراع دائما هما البدو والحضر(17)، أو بلغة الانقساميين (القبيلة والدولة). هنا بالذات سيجد الخطاب الانقسامي إحدى أهم تخريجاته التي بنى على أساسها نموذجا خاصا في الرؤية والتحليل: (النموذج التجزيئي أو الانقسامي)Le paradigme segmentaire ، كما سنعرض له فيما يأتي.
إن حركة التاريخ إذن، هي حركة دائرية المحرك الأساس فيها هي العصبية القبلية، الأكثر قوة وبروزا لدى البدو. وبالفعل، فإن العصبية كتضامن اجتماعي دموي، لا توجد بشكل "خالص" إلا في إطار النظام القبلي الأكثر توحشا(18)، على اعتبار أن العصبية باعتبارها "وازعا" هي ظاهرة خاصة بالبدو، موجهة أساسا لدفع العدوان الخارجي وتفعيل آليات الدفاع المشترك(19). وإذا كان أساس أية عصبية هو "النسب" المشترك (كالانتماء إلى جد مشترك)، فإن ابن خلدون كان واضحا في هذه النقطة حينما نبه إلى أن حاجة البدو إلى آلية قوية ومستمرة للدفاع المشترك، هي ما يفسر تشبثهم القوي بتلك العصبة أو (الوحدة الدموية)؛ وهو تشبث إيديولوجي بالأساس. وابن خلدون نفسه يؤكد على أن الانتماء إلى جد مشترك، أمر وهمي لا حقيقة له، فليس هناك في نظره ما يضمن أو يؤكد انتقال دماء صافية من السلف إلى الخلف، بل إن اختلاط الأنساب هو الظاهرة السائدة. ولهذا فوازع دفع العدوان (في إطار دفاع مشترك)، هو الذي يفسر لجوء البدو إلى النسب واحتمائهم بالجينيا لوجيا؛ كإيديولوجيا لصياغة وإعادة صياغة النظام الاجتماعي وتدعيم لحمة الجماعة وتعاضدها(20). لعل هذه نقطة جوهرية في نظرية ابن خلدون حول العصبية، لم يوليها الانقساميون حق الاهتمام: (إنهم لم يفرقوا بين الواقعي والإيديولوجي، أو بلغة علم التاريخ بين الحدث وتمثلات الحدث). ملاحظة أخرى جوهرية في هذا الصدد، فإذا كانت العصبية ظاهرة بدوية بامتياز، فإن ابن خلدون ميز هنا بين صنفين من البدو: صنف يشتغل بالزراعة أساسا ويطغى عليه الاستقرار، وهذا ما يصفه ابن خلدون بـ "الظعن المقيمون"، وصنف آخر يعتمد في معاشه على الرعي وهم البدو الرحل، وهؤلاء يصفهم بـ "الظعن الخلص"؛ وهم من كان معاشهم من الإبل وهم الأقوى عصبية. هذه الفئة تتميز – حسب ابن خلدون - بنمط عيش جد قاس، بما يطبعه من ضيق اقتصادي كبير، وهنا نجد ابن خلدون يؤسس لنوع من الترابط بين نمط العيش والنظام الإيديولوجي الذي يناسبه؛ في إطار ما يمكن أن نصطلح عليه هنا بنوع من "الحتمية المعاشية"(21).
لعل هذا ما يؤكده الأستاذ عبد الكبير الخطيبي، من خلال النص التالي: "… إلا أن هذا الضيق الاقتصادي الشديد، تلازمه عصبية قوية ونظام قوي للدفاع عن الذات، وإذن هناك تشابه بين الضيق الاقتصادي الشديد وثقافة مرتكزة على قيم قوية، فهذه الأخيرة تعوض الأولى وتحدث التوازن داخل النظام الاجتماعي لرعاة الإبل. بهذا الشكل لا يكون لهذا المجتمع تأريخية، بل يحتاج إلى إيديولوجية وإلى دين يكون وحده قادرا على تحويل هذه الهوية المتوحشة إلى رسالة كونية"(22).
إن الخلاصة التي يمكن الخروج بها هنا: هي ضرورة التمييز – في نظرية ابن خلدون حول العصبية – بين مستوى الواقع المادي للمجتمع البدوي – القبلي، (بما يعنيه من ظروف اقتصادية، اجتماعية ومجالية صعبة)، وبين تصورات الناس وتمثلاتهم حول ظروف وشروط حياتهم الاجتماعية تلك. والصورة قد تبدو واضحة أكثر لو اعتمدنا التمييز الماركسي بين الواقعي والإيديولوجي. بل أبعد من ذلك، لو أخذنا بالتعريف الذي يقترحه (كلود ليفي ستروس) لمفهوم الإيديولوجيا، باعتبارها ذلك "الإسمنت" الذي يلحم ويعضد مكونات البناء الاجتماعي ويساهم في ضمان استمرار البنيات القائمة.
إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا – وبإلحاح – هو: لماذا ركز الانقساميون كثيرا على مقولة "النسب"، واعتبروها حقيقة تاريخية وسوسيولوجية، بنوا على أساسها تحليلاتهم للبنيات الاجتماعية والسياسية للقبيلة المغربية؟ مع العلم أن ابن خلدون كان واضحا بهذا الخصوص.
إن الصراع العصبي إذن، وفي المنظور الجلدوني نفسه، لم يكن "صراعا بين الدماء ولا راجعا إلى مجرد الاعتداد بالأنساب، بل هو صراع من أجل البقاء، صراع من أجل لقمة العيش"(23). وهناك عوامل متداخلة يمكن أن نفسر بها لماذا لم يتخذ هذا الصراع مظهرا اقتصاديا واضحا: بعضها ثقافي وبعضها اقتصادي مرتبط بعلاقات الإنتاج التي لم تكن تتعد، في الغالب، نطاق الأسرة أو العائلة، مما جعل منها علاقات تعاون ومشاركة لا علاقات استغلال(24). وقد زاد من توطيد هذه العلاقات، أيام ابن خلدون، انغلاق وحدات المجتمع القبلي على نفسها. والنتيجة الطبيعية لهذا الانغلاق هي ذلك الارتباط القوي من قبل الجماعة أو القبيلة بالأرض كمصدر للعيش. وبناء عليه، فإن كل محاولة من جانب أي غريب- (سواء كان فردا أو جماعة)- تستهدف هذه الأرض؛ تعتبر في نظر العصبة أو القبيلة عدوانا صريحا يجب دفعه(25). وفي هذا السياق بالذات تفسر الحاجة إلى سلاح الجينيالوجيا ممثلا في العصبية، بهدف التعبئة من أجل الدفاع عن الأرض والعرض، فهما معا محورا التاريخ القبلي كتاريخ عنف وعنف مضاد(26)، عن طريق الغزو والثأر وهكذا دواليك. وهو ذاته نفس السياق الذي يفسر علاقات البدو بالحضر كصراع من أجل التغلب والملك، ما دامت ماهية التاريخ عند ابن خلدون وأفقه ينتهيان عند حدود عتبة الدولة والحضارة. فما أن تنشأ الدولة كتجسيد للحضارة، حتى يؤذن بنهايتها وزوالها باسم الحضارة نفسها، وهذا هو قانون الدورة العصبية: (نشأة، ازدهار ثم انهيار)؛ بما يتضمنه من مفارقات.
يبدو أن الأستاذ عبد الله العروي قد وصف بشكل دقيق هذه المفارقات، حين اعتبر بأن ابن خلدون يقف دوما فوق الحد الفاصل بين التاريخ واللاتاريخ، ولا يفارق إلا قليلا اللاتاريخ، كما لا يتوغل طويلا في نطاق التاريخ(27). وربما هذا ما دفع إلى الانجذاب نحو نظريته هذه، من طرف مؤرخي الإدارة الكولونيالية ومن قبل الباحثين الأنثروبولوجيين " الانقساميين". فبتركيزه الشديد على الجوانب اللاتاريخية، قد أعطى تعليلا مقنعا لتعثر المنطقة الدائم في أحضان اللاتاريخ(28)، ولعل هذا ما عمل على ترديده كثيرا الخطاب الانقسامي، انسجاما مع رؤيته البنائية – الوظيفية السكونية. وبهذا الخصوص يقول عبد الله العروي في هذا النص: "من لجأ إلى النمط التعليلي الخلدوني لتفسير كل حادثة من تاريخ المغرب، فإنه يتولى بالتبعية الفكرة القائلة إن المغرب يجد نفسه باستمرار على الخط الفاصل بين التاريخ واللاتاريخ؛ وأن دراسة المجتمع المغربي هي في العمق دراسة أنثروبولوجية"(29).
وإذا حاولنا أن نبحث في أشكال التقارب والارتباط بين النظرية الانقسامية والخلدونية، نجد هناك ارتباطا منهجيا واضحا بين الإثنين؛ ولعل هذا ما أكد عليه (إرنست كلنر – E. Gelner ) نفسه. بل أبعد من ذلك، قد يكون هناك ارتباط تاريخي أيضا: فنحن نعلم أن المدرسة الإنجليزية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية – (خاصة مع إيفانس بريتشارد)- قد استلهمت كلمة " انقسامية" من (دوركايم)، كما أن هذا الأخير قد بنى تحليلاته بخصوص المجتمع "القبائلي" بالجزائر – (في إطار دراسته حول تقسيم العمل)- على التقارير الإثنوغرافية لكل من (هانوتو ولوتورنو). وهنا بالذات قد لا نستبعد – مع الأستاذ العروي – أن تكون هذه التقارير وما تحمله من أوصاف، هي نفسها متأثرة بما تضمنته مقدمة ابن خلدون التي تمت ترجمتها إلى الفرنسية منذ أواسط القرن 19(30).
فابن خلدون يحدثنا عن "العصبات" كأساس للانتظام الاجتماعي، و الانقساميون يحدثوننا عن "القسمات" أو "الأجزاء" (Les segments )؛ والقاعدة الأساس هنا هي قاعدة النسب (La généalogie ). كما أن ابن خلدون يشرح لنا كيف يستحيل تاريخ الدول والمجتمعات المغاربية إلى صراع عصبي، بمثل ما يشرح لنا الانقساميون أيضا منطق هذا التاريخ على أساس لعبة التعارضات المتوازنة بين القسمات، وفق آليتي: (الانشطار والانصهار أو الصراع والاتحاد). إذن لا مكان في قاموس كل من المنظومتين لمفاهيم التغير والتحول والتجدد، أي لا مكان للتاريخ، لأن كل مستجد يتم استدماجه ضمن المرجعية الانقسامية؛ ليتم تأويله وتثبيته في نطاق البنية الأصلية القائمة على قاعدة: (الثبات والتوازن والاستمرارية).
علاوة على ذلك، نجد الانقساميين قد بالغوا في تضخيم عوامل الصراع والتنازع بين نظامين اجتماعيين وسياسيين متناقضين: هما "القبيلة" و "الدولة" بالمجتمعات المغاربية، كمجتمعات "انقسامية". بحيث ينحل تاريخ هذه المجتمعات في إطار سيرورة صدامية بين قبائل "بربرية" متحصنة بالجبال، ومخزن "عربي" يتم إدراكه دائما كغاز محتل؛ استباح أرضهم وأعراضهم باسم الدين. لهذه القناعة إذن، تراهم دوما رافضين الانصياع لسلطته، معتبرين إياها سلطة غير شرعية. بل أبعد من ذلك، تسعى القبيلة إلى منافسة المخزن حتى في بعض أهم رموز سيادته ومشروعيته السياسية، خاصة لما تعلن ارتباطها بزاوية قوية: (الزاوية الشرادية – زاوية أحنصالة- الزاوية الدرقاوية… ). فشيخ الزاوية هنا، هو قبل كل شيء "شريف" تربطه – على غرار السلطان – قرابة دموية بنبي الأمة، مع ما يعنيه ذلك من حضور "للبركة" كرأسمال رمزي حاسم في تأسيس أية سلطة سياسية. هذا علاوة على المظهر الديني الواضح الذي تضفيه الزاوية على كتلتها القبلية، مدخلة إياها في نطاق "الشرع" الذي غالبا ما حاول المخزن العربي نزعه عن القبيلة، مستبيحا بذلك أرضها. ويبدو واضحا هنا بالطبع، كيف عمل الخطاب الانقسامي على إعادة إنتاج – وبشكل متقدم – لعدد من الثنائيات التي كان قد أنتجها من قبل، باحثون ومخبرون فرنسيون (في إطار ما يعرف بالأطروحة الكولونيالية)؛ من قبيل: (عرب / بربر)، (شرع/ عرف)، (سيبا/ مخزن)،…
إن الصراع إذن، بين "البربر" و "العرب"، بين "القبيلة" و "المخزن" هو صراع "وجود" أكثر منه صراع "حدود"؛ مادام منطق الصراع ذاته – كما تصوره هؤلاء – يتوقف عند حدود الجدل السالب "النفي"(31). وقد عبر ابن خلدون عن ذلك بوضوح في تصوره لصراع "البدو" ضد "الحضر"، كصراع عصبي محكوم برغبة الملك، التي هي في الأصل رغبة مدفوعة بمبدإ النفي والإزاحة: نفي عصبية لعصبية أخرى وهكذا دواليك.
هذه باختصار شديد أهم العناصر من داخل النظرية الخلدونية حول العصبية، والتي وجد فيها الانقساميون ضالتهم وبنوا على أساسها نظرية أنثروبولوجية / سياسية، يمكن أن نعرفها هنا بـ "نظرية العنف المهيكل" أو "نظرية الفوضى المنظمة". فما طبيعة التأثير الذي مارسته السوسيولوجيا الوضعية في اتجاه تبلور النظرية الانقسامية؟
-IIإيميل دوركهايم والتصور الانقسامي للمجتمعات التقليدية.
لقد انطلق دوركهايم في أطروحته الشهيرة "حول تقسيم العمل الاجتماعي"، من سؤال مركزي وهو: "كيف يقيم جمع من الأفراد مجتمعا؟ وكيف ينجزون الشرط الضروري – أي الوعي – لوجودهم الاجتماعي؟"(32). وللإجابة عمد عالم الاجتماع الفرنسي إلى إقامة تمييز واضح وصارم بين نمطين مختلفين من التضامن، هما: (التضامن الآلي = mécanique ) و (التضامن العضوي = Organique ). ففي النمط الأول يكون الأفراد متشابهين في مشاعرهم وأحاسيسهم، ويشتركون في نفس القيم، كما أنهم متفقون على نفس المبادئ والأشياء المقدسة؛ ويطغى عليهم – نتيجة ذلك – التجانس لأنهم لم يتباينوا ولم يتغايروا بعد. لكن، وبفعل عوامل الكثافة الاجتماعية وأنماط الاتصال والتقسيم الاجتماعي للعمل، يحدث ذلك الانتقال من النمط الأول أو الحالة الآلية إلى حالة أكثر تطورا وتعقيدا، وهي الحالة العضوية أو ما يصطلح عليه دوركايم بـ "التضامن العضوي الذي يأتي تضامن الأفراد وتماسكهم فيه، نتاجا لتباينهم وتعبيرا عن هذا التباين في نفس الوقت"(33).
لقد كان دوركايم إذن، هو أول من صاغ مفهوم الانقسامLa segmentation أو "النسق الانقسامي"؛ معتبرا بأن المجتمع "القبائلي" بالجزائر يقدم النموذج الأرقى لهذا النمط من التنظيم. فهو مجتمع تقليدي، قبلي، يجهل أي شكل من أشكال السلطة المنظمة، وهذا ما يمنحه خاصية المجتمعات ذات التضامن الآلي، أو ما يمكن تلخيصه في مقولة "النسق الانقسامي". وقد حدد بذلك إحدى أهم شروط هذا النسق في مقولتي: (التشابه) و (التباين) أو (الاتحاد) و (التعارض): "فلكي يكون التنظيم الانقسامي ممكنا، لابد من أن تتشابه الأقسام، وبدون هذا التشابه لا يمكن أن تتحد و أن تتباين، وبدون هذا التباين والخلاف سيضيع بعضها في بعض، وتنتهي إلى التلاشي"(34).
لقد وجد الانقساميون بالطبع ضالتهم في هذا التمييز، حيث أسقطوا النموذج الآلي على مجتمعات قبلية إفريقية، رأوا فيها النقيض التاريخي والسوسيولوجي لمجتمعات أوربا "العضوية" أو (الطبقية)؛ مستندين في ذلك على منهج في المقاربة والتحليل يقوم على أساس الدمج بين الوظيفية Fonctionnalisme والبنيوية Structuralisme (35). وكانت البداية طبعا، مع الأنثربولوجي الإنجليزي (إ. بريتشارد) الذي يعتبر بحق أول من طبق النموذج الانقسامي على مستوى ميداني، وذلك في إطار دراساته الميدانية حول قبائل "النوير" السودانية وقبائل "بدو برقة" الليبية. فقد استطاع هذا الأخير – وبشكل ذكي – أن يوضح قواعد وأبعاد اللعبة السياسية في المجتمع الانقسامي، والتي صورها على شكل (لعبة الشطرنج). وكان من بين أهم نتائج أبحاثه تلك – حول قبائل النوير السودانية – هو أن القبائل تكون وحدة سياسية، وهي منبثقة من جماعات متعددة (عشائر)، كما أن القبائل المتعددة تشكل بدورها اتحادا قبليا أو تحالفا، وهذا هو أرقى مجتمع سياسي يعرفه هؤلاء القبليون(36). كما حاول إبراز كيفية اشتغال آليتي "التعارض" و "التحالف"، كما صاغهما دوركايم من داخل النسق الانقسامي، لتصبح القبيلة أو البناء القبلي على شكل "نظام وظيفي" تحكمه "بنيات القرابة والنسب"، في إطار اللعبة الانقسامية التي تتحدد من خلال القسمات المتعارضة والمتوازنة أيضا. فكلما تم الانتقال إلى مستويات أعلى، كلما اختفت عوامل الصراع والتعارض، بدءا من خط النسب وانتهاء بالقبيلة، ثم الاتحاد القبلي(37).
في مجتمع كهذا إذن، تحكمه آليات الانشطار والانصهار التي تخضع بدورها لمنطق النسب، لا وجود لأي نوع من التراتب