Accueil
Retour
Contactez-nous
statistiques
Nos partenaires

 

 


الزوايا والمخزن، أو جدلية ال سلطة والمجتمع بالمغرب الماقبل كولونيالي
- قراءة في الأطروحتين: "الكولونيالية" و"الوطنية"

الدكتور محمد جحاح : أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية-جامعة المولى إسماعيل مكناس

تقديــــــم

في الواقع، لا يمكن اختزال كل من الأطروحتين (الكولونيالية) و(الوطنية) في حدود إشكالية واحدة، كما هو مطروح بالنسبة إلينا هنا. لأن الأمر يتعلق بإنتاج معرفي ضخم ، مع ما يوازي ذلك طبعا من تعدد وتنوع على مستوى موضوعات البحث والإشكاليات المطروحة، هذا علاوة على كونه إنتاجا يظل موزعا بين عدة فروع معرفية : كالتاريخ، الإثنوغرافيا، الأنثروبولوجيا، الجغرافية السياسية والسوسيولوجيا. لكن وارتباطا بذات الإشكالية التي نحن بصددها، يمكننا الوقوف على بعض الخطوط العريضة التي قد تسعفنا في رسم صورة واضحة - إلى حد ما – حول كل من الأطروحتين. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال حول طبيعة العلاقة بين "الزوايا" و"المخزن" في التاريخ السياسي المغربي، قد شكل - فعلا - أساسا من أسس الاختلاف والتعارض ما بين الأطروحتين، وبالتالي منطلقا لصياغة الفروض حول طبيعة العلاقة بين الديني والسياسي كمدخل لطرح إشكالية السلطة والمجتمع بالمغرب الما قبل كولونيالي.
فكما تطلعنا المصادر التاريخية، فقد عرفت هذه الفترة من تاريخ المغرب مجموعة من الأحداث والوقائع السياسية، التي تشهد بتأزم العلاقة – وعلى مستويات عدة – بين السلطة والمجتمع. وهنا بالذات، ومن هذا المنطلق، سيرتبط تاريخ الزوايا وبشكل وثيق بالتاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب. بحيث شكلت في هذا الإطار قوة سياسية وازنة، استطاعت أن تفرض نفسها على المخزن (كسلطة محلية) قائمة بذاتها؛ تسندها قاعدة قبلية عريضة. وقد استفادت الزوايا في ذلك، وعلاوة على تنظيماتها المتجذرة، من ذلك الامتياز الإيديولوجي القوي الذي كانت تمنحه إياها فكرة الانتماء الشرفاوي. ولا يخفى في هذا الإطار ما كانت تشكله من خطورة حقيقية على المخزن، باعتبارها القوة السياسية الوحيدة التي كانت تنافسه في إحدى أهم رموز مشروعيته السياسية؛ ونعني بالطبع الإيديولوجية الشرفاوية: (فكل من السلطان وشيخ الزاوية يعتبر شريفا، تربطه قرابة دموية بنبي الأمة). وربما هذا ما يفسر أيضا القيمة النظرية والسياسية اليوم لموضوع الزوايا، خاصة لما نستحضر تلك الطبيعة المزدوجة للنسق السياسي المغربي المعاصر: (حداثي/تقليدي)، ونطرح سؤال الممارسة والمشروعية السياسيتين في ضوء جدلية الديني والسياسي. إذ لا يمكن في هذا الإطار، نفي أو تجاهل حقيقة ذلك الإرث التاريخي الثقيل والمزعج، ممثلا في تلك الاستمرارية القوية والمتجددة لبعض الثوابت التنظيمية والإيديولوجية المتوارثة عن تنظيم الزوايا: سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية، أو تنظيمات الإسلام السياسي، أو المؤسسة الملكية كفاعل مركزي من داخل هذا النسق*.
بطبيعة الحال، لسنا هنا بصدد مقاربة النسق السياسي المغربي المعاصر، بما يتأسس عليه من مفارقات. لكن، يمكن اعتبار هذا المقال مساهمة متواضعة في التمهيد لذلك؛ وإن كانت الإشكالية المطروحة هنا تخص طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في المغرب الماقبل كولونيالي. لعل هذا ما سنعمل على تطويره ومعالجته إذن، من خلال قراءة نقدية لكل من الأطروحتين: (الكولونيالية) و (الوطنية) مع اقتراحنا لمشروع أطروحة بديلة. فماذا عن الأطروحتين إذن؟ ولماذا هذا الاهتمام الكبير بموضوع الزوايا، خاصة من قبل الكولونياليين؟ ثم كيف تصور هؤلاء طبيعة العلاقة بين الزوايا والمخزن في التاريخ السياسي المغربي؟ وما هي الخلفيات الإيديولوجية التي تأسس عليها الخطاب الكولونيالي؟ وفي الجانب المقابل: هل نجحت الأطروحة الوطنية - التي جاءت كرد على هذا الخطاب ومحاولة لتجاوزه ودحضه - من وضع تلك العلاقة بين الزوايا والمخزن في إطارها الصحيح، أم أنها هي الأخرى ظلت حبيسة المعالجة الإيديولوجية الضيقة، لواحدة من اعقد الإشكاليات التي تمس جوانب هامة من التاريخ الديني، الاجتماعي والسياسي لمغرب ما قبل "الحماية"؟

1. ماذا نعني بالأطروحة الكولونيالية؟
كما هو معلوم، ينطبق هذا التحديد على كل الأبحاث والدراسات والتقارير التي أنجزها باحثون أوروبيون(ضباط، مخبرون، ودارسون متخصصون) حول المغرب وباقي مجتمعات شمال إفريقيا، والهدف طبعا هو ضبط هذه المجتمعات ومعرفتها من الداخل بغية تأمين وتسهيل عملية السيطرة الاستعمارية عليها. هكذا إذن، سيتحدد دور المعرفة العلمية كسلاح استراتيجي سيتم توظيفه، بشكل ذكي، من طرف الإدارة الاستعمارية و(الفرنسية) تحديدا في هذا الاتجاه. لعل هذا هو السبيل الأمثل الذي ستتوحد حوله آراء وتصورات منظري الإدارة الاستعمارية الفرنسية وسياسييها بخصوص حالة المغرب، خاصة وأن الأسلوب العسكري التقليدي قد كلف فرنسا الشيء الكثير في أثناء احتلالها للجزائر منذ عام 1830م.
وفي هذا الإطار بالذات تأتي هذه القولة الشهيرة لأحد منظري وأقطاب التغلغل الاستعماري بالمغرب، والأمر يتعلق بمؤسس "البعثة العلمية" بالمغرب (ألفرد لوشاتوليي) حيث صرح قائلا:"يجب أن يكون لنا على الحدود المغربية أقل ما يمكن من طلقات البنادق، وأكثر ما يمكن من النشاطات الاقتصادية والسياسية"(1).ولتحقيق هذه المعادلة الاستعمارية، كان لابد أولا من تكثيف أنشطة البحث العلمي، عملا بشعار:"المعرفة أساس السيطرة". في هذا السياق إذن، كان إلحاح الإدارة الفرنسية شديدا على أن الهدف الأسمى من "النشاط العلمي بالمغرب ومعرفة شؤونه وأحواله، يجب أن يكون البحث في سياسة استعمارية فعالة و"سلمية" وعلمية، أي بأقل التكاليف المادية والبشرية"(2).
ارتباطا بنفس الأهداف الاستعمارية إذن، كان لابد من خلق بنيات تحتية مؤسساتية، قادرة على احتضان هذا النشاط العلمي وتطويره وتوجيهه في المسار الكولونيالي المنشود. وفي هذا الإطار يأتي خلق عدد من "المؤسسات العلمية" من قبيل: (البعثة العلمية) و(معهد الدراسات العليا المغربية)، علاوة على معاهد أخرى ومؤسسات إدارية وعسكرية موازية من قبيل: (إدارة الشؤون الأهلية). هذا دون أن ننسى ما واكب ذلك من إنشاء لمنابر علمية ومجلات متخصصة ارتبطت بنفس الهياكل المؤسساتية، ونكتفي بإعطاء النموذج هنا بمجلة "إفريقيا الفرنسية"، مجلة "العالم الإسلامي" - التي أنشأها لوشاتولي- ومجلة "أرشيفات بربرية" و"أرشيفات مغربية"، علاوة على سلسلة "مدن وقبائل المغرب" والقائمة طويلة. لعل إطلالة سريعة على ما أنجز وما نشر من أبحاث ودراسات في هذا الإطار، لكفيل بأن يكشف عن تورطها؛ ويكفينا بهذا الخصوص أن نحيل هنا على الدراسة البيبليوغرافية النقدية التي أنجزها الباحث Andre Adam، والتي يقدم من خلالها عرضا نقديا تفصيليا لأهم الدراسات الكولونيالية التي أنجزت حول المغرب (3).
وفي نفس السياق أيضا تأتي الدراسة القيمة التي خصها الباحث (إدموند بورك) لفضح وتعرية المسكوت عنه في الخطاب الكولونيالي، وذلك من خلال تشريحه للجسم المؤسساتي الذي احتضن هذا الخطاب. وفي هذا الإطار بالذات، انصبت دراسة الباحث حول واحدة من أهم المؤسسات "العلمية" الاستعمارية، والأمر يتعلق بمؤسسة (البعثة العلمية). فاستنادا إلى تقارير (ألفرد لوشاتولي) و(بول رافوال)، و(أوجيست تري)، وبالرجوع أيضا إلى أرشيفات (وزارة الشؤون الخارجية) الفرنسية و(كوليج دوفرانس) وكذلك أرشيفات (مصلحة الحرب) و(مصلحة التاريخ التابعة للجيش)، انتهى الباحث إدموند بورك إلى تأكيد تورط هذه المؤسسة في المشروع الكولونيالي. فهو يقول بهذا الخصوص: "ومجموع هذه المصادر يتيح لنا أن نقف بسهولة على سير المفاوضات، ومحاولة إخفاء بعض المعطيات ونسج الدسائس التي كانت تحبك وراء تأسيس البعثة العلمية"(4).
لقد كان هاجس البحث في إطار هذه المؤسسة وغيرها من مؤسسات البحث والتوثيق، بعيدا كل البعد عن الهموم والانشغالات العلمية. بحيث ظل مسكونا بهواجس سياسية استعمارية، وفي مقدمتها هاجس إضفاء المشروعية اللازمة على الاستعمار الفرنسي للبلاد؛ ولأجل ذلك – وعلى حد تعبير أحد الباحثين – كان باحثو ومنظرو الإدارة الاستعمارية من أمثال:(جورج مارسي، ر.مونطاني، كامب، البرتيني، غريل، م. بيلير) وغيرهم "يستبيحون كل الخروقات والمستغربات"(5).
فما هي أهم المسلمات التي حاول هؤلاء تأكيدها من خلال أبحاثهم والدفاع عنها، في سبيل شرعنة التدخل الاستعماري الفرنسي بالمغرب؟ وكيف تم استثمار موضوع الزوايا في هذا الإطار؟
2. الأطروحة الكولونيالية: (قراءة في بعض عناصر السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب).
في الواقع، ليس هناك ما يثير الانتباه أكثر من مقولة"السيبا" الأكثر تداولا ورواجا من داخل الخطاب الكولونيالي، ويمكن اعتبار هذه المقولة بمثابة المفتاح لفهم بعض مضمرات هذا الخطاب ومرتكزاته الإيديولوجية. لقد استخدم هذا المفهوم لتوصيف حالة الفوضى السياسية والتمرد القبلي الدائم ضد السلطة وضد كل ما هو مناف لاستقلالية الشخصية القبلية البربرية. ومن هذا المنظور، تعتبر "السيبا" في التحديد الفرنسي الكولونيالي "ظاهرة سياسية، ارتبط وجودها بضعف المخزن وطبيعته الاستبدادية والطفيلية من جهة، وميل القبائل الغريزي أو الفطري للاستقلال والعيش في فوضاها التقليدية، ورفضها الاندماج في كيان تنظمه وتؤطره سلطة مركزية عليا"(6). وهكذا يصبح المغرب - وفق هذا التصور - مقسما بين بلاد للسيبا: وتتشكل في معظمها من القبائل "البربرية" المتحصنة بالجبال، وبلاد المخزن: وهي لا تكاد تتجاوز حدود المدينة (العاصمة) ومحيطها الذي يتشكل من قبائل عربية تستوطن السهول. لعل هذا ما حاول إثباته أحد منظري الإدارة الاستعمارية، من خلال دراسة ضخمة خصها لتاريخ العلاقة بين القبائل "البربرية" (خاصة قبائل الجنوب – سوس) والمخزن، وهي دراسة تعتبر نموذجا لغيرها من الدراسات الكولونيالية في هذا الإطار، بحيث ستتم إقامة تعارض تام بين "مجتمع بربري" أصيل، ميال بطبيعته إلى قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية وله مؤسساته الخاصة به ونظامه الملائم لواقع حياته وثقافته وتقاليده "البربرية" العريقة، وبين "مخزن عربي"دخيل ومتسلط (7). وهذا التقسيم نفسه، هو الذي ستتم استعادته – بشكل أو بآخر – من قبل الانقساميين، على اعتبار أن الأطروحة الانقسامية - وفي هذه النقطة بالذات - لا تعدو أن تكون  سوى استغراقا للطرح الكولونيالي .
في نفس السياق إذن، يؤكد أحد الانقساميين  بأن هذه الثنائية ظلت واقعا مرتبطا بعمق بتاريخ المغرب كواحد من المجتمعات "الانقسامية"؛ كما أن "الفروقات الموجودة بين بلاد المخزن وبلاد السيبة، هي ذات طابع إثني وسياسي وديني وجغرافي"(8).
إن تاريخ المغرب إذن،  لا يمكن أن يفهم إلا على ضوء ذلك الصراع الذي تغذيه تلك الفروقات، وهذا ما سيتم التعبير عنه من خلال الخطاب الكولونيالي عبر سلسلة من الثنائيات المتناسلة، كصراع بين (عرب / بربر)، (دخلاء / أصلاء)، (غزاة/ أهالي)... هناك علاقة صراع وتصادم إذن بين نظامين متنافرين هما المخزن والقبائل، "أما الزوايا – يقول علماء الاجتماع الفرنسيون – فهي لا تكاد تكون سوى أداة فعالة لتأطير سخط القبائل وكراهيتها للمخزن" (9). بل أكثر من ذلك، فقد ذهب بعض هؤلاء إلى الحديث عن صراع بين "زاوية بربرية" مهمتها قيادة وتأطير القبائل البربرية، ضد المخزن العربي الذي يمثل بدوره زاوية كبرى؛ ومن هنا يصبح الصراع قائما بين طريقة أو زاوية محلية وبين زاوية أو طريقة كبرى هي الدولة المخزنية(10). وفي نفس السياق ستتطور أطروحة "الزاوية البربرية"(11) مع كل من (ج. دراك) و(م. بيلير) وغيرهما.
لقد اعتبر (ميشو بيلير) في هذا الاتجاه، بأن الزاوية الخمليشية بالريف وكتلة صنهاجة السراير تجسد النموذج التاريخي لما يسمى بالزاوية البربرية، وهي بذلك تعتبر واحدة من الزوايا البربرية الأخرى التي ساهمت في تشكيل وبناء ما يصطلح عليه الباحث بـ (الحلف الصنهاجي البربري)، الذي كانت تقوده وتؤطره الطريقة الناصرية. فقد أكد (م. بيلير) على ذلك التلاحم الذي بثته هذه الطريقة الصوفية في كيان (الأمة الصنهاجية البربرية) رغم تباعد أجزائها، وهذا ما كان يتم تحت قيادة شيخ الرماة (علي بناصر) (12). ويعزو (م. بيلير) – في هذا الإطار – مسألة تأسيس عدد من "الزوايا البربرية" بالمغرب إلى ذلك الانتشار القوي للنفوذ الناصري، خاصة عبر ما عرف بـ (جمعيات الرماة). وهنا بالذات – يضيف (م.بيلير) – يكمن المبدأ الأساسي الذي كان وراء تأسيس "الزاوية الدلائية"، ثم فيما بعد كل من "زاوية أبو بكر امهاوش"، "زاوية بوشتى الخمار"، و"الزاوية الخمليشية"(13).
لقد اعتبر (م.بيلير) هذه الزوايا بمثابة تأكيد على الرغبة في استقلال القبائل"البربرية" الصنهاجية، وتشبثها بتنظيمها الذي ظل فاعلا من داخل (الأمة الصنهاجية) وضامنا لإعادة تشكلها (14). وفي سبيل ذلك الاستقلال، خاضت الزاوية الخمليشية وزوايا أخرى، تحت قيادة الباشا أحمد الريفي، مجموعة من المعارك ضد المخزن: ومن أهمها المعركة التي وقعت في المنزه بالقصر الكبير في 4 جمادى 1156 – 2 يوليو 1743 بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله والباشا أحمد بن علي الريفي، حيث مات هذا الأخير ومعه سيدي علي خمليش (15).
باختصار، إن ما يريد الباحث إبرازه هنا هو ذلك التحالف الذي كان حاصلا بين الزوايا البربرية، في إطار ما يصطلح عليه بـ (الأمة الصنهاجية)؛ وهو تحالف كان يضمن للقبائل البربرية قوتها ومناعتها ضد أي اختراق عربي (مخزني)، وقد ظل قائما على الرغم من تباعد أجزاء تلك الأمة. وهذا ما حاول تأكيده أيضا من خلال نموذج الزاويتين (الخمليشية) و(زاوية أمهاوش)، لما استنتجه من تشابه في الأسماء بين الأسرتين: حيث أن أحد خمالشة "زاوية بوسرغين" بقبيلة بني سدات الصنهاجية كان هو الآخر يدعى (سيدي أحمد أمهاوش) (16)؛ مع العلم أنه لا وجود لأية زاوية خمليشية بهذا الإسم، ولا لأي خمليشي كذلك يدعى امهاوش (17).
في إطار نفس الأطروحة أيضا، يذهب (ج.دراك) إلى اعتبار (زاوية أبو بكر امهاوش) نموذجا للزاوية البربرية الرافضة لسلطة المخزن العربي، وقد شكلت بذلك "الأداة المحركة والمنظمة لثورة بربرية (زناتية) ضد المخزن" (18).
لقد ارتبط وجود الزوايا واستمرارها بالمغرب إذن، بواقع "السيبا" الذي لخص من خلاله الكولونياليون مجمل التاريخ الديني، السياسي والاجتماعي لهذا البلد. وليس صدفة أن نجد أحد هؤلاء الباحثين يعود إلى القرن 16م، وهو التاريخ الذي سيشهد انبثاق تنظيم الزوايا بالمغرب، كي يؤرخ للظاهرة (السيبا). ففي تقديره، فإن تاريخ المغرب ومنذ القرن 16 لم يكن سوى صراعا بين السلطة المركزية والزعماء الدينيين (شيوخ الزوايا) (19)؛ وهذا ما يمكن التأكد منه بالرجوع إلى المصادر الحقيقية لهذا التاريخ – والتي هي حسب الباحث – (كتب المناقب وتراجم الشرفاء والعلماء والصلحاء)، التي تمثل في هذا الإطار البديل عن الكتابات التأريخية (الأسطوغرافية) المخصصة للملوك والسلاطين (20).
ولعل ما يعزز واقع الإرتباط هذا بين "الزوايا" و"السيبا"- حسب الباحثين الكولونياليين –هو كثرة المواجهات التي شهدها التاريخ المغربي بين المخزن والقبائل المتمردة، خاصة وأن المخزن لم يكن يرى في القبائل- حسب هؤلاء الباحثين – سوى محيطا ضريبيا. ويعطي (جورج دراك) المثال هنا بعدد من الزوايا: كزاوية تزروالت (إيليغ)، والتي كانت تؤطر تمرد القبائل السوسية قبل أن يتم سحقها من طرف جيش السلطان مولاي رشيد (21)، وزاويتي"آيت امهاوش وأحنصال المتحصنتين بجبال الأطلس" (22)، واللتان كانتا تؤطران مجموع القبائل البربرية الصنهاجية التي كانت تستوطن المجال الجبلي بالأطلس. وقد "عمل المولى إسماعيل شخصيا على ترأس الحركات الموجهة لقمعهم، وهكذا قام ببناء عدة قصبات حول مستقراتهم لاحتواء خطرهم (23). كما اتبع السلاطين العلويون نفس السياسة اتجاه الزوايا، مما يؤكد حسب (ج.دراك) استمرار وضع السيبا الذي كانت تغذيه تطلعات القبائل نحو "الإستقلال" عن سلطة المخزن، وسخطها الدائم الذي كانت الزوايا تؤطره وتوجهه ضده. وفي هذا الإطار إذن، "وفي 1784-1785 قام السلطان (سيدي محمد بن عبد الله) بهدم زاوية سيدي محمد العربي الشرقاوي بأبي الجعد، وطرد المقيمين بها ونفي الشيخ وأتباعه إلى مراكش" (24). وستتكرر نفس الأحداث أيضا مع السلطان (مولاي سليمان) الذي لاقى مواجهة شديدة من قبل قبائل الأطلس البربرية، تحت قيادة زاوية أبي بكر امهاوش، حيث سيلقى السلطان "هزيمة نكراء في 1810 من طرف أبي بكر امهاوش ما بين آزرو وآسفي"(25).
وفي نفس السياق دائما، فقد استوحى السلطان الحسن الأول سياسة كل من السلطانين (مولاي إسماعيل) و(سيدي محمد بن عبد الله) فيما يتعلق بمواجهة القبائل البربرية وزواياها(26)، حيث "اقتصرت سياسته على اكتساح جبال الأطلس المتوسط ووسط الأطلس، لكي يعزل الكتل البربرية ويضعفها ثم يقضي عليها في الوقت المناسب"(27). في هذا الإطار، كان يتوجب عليه "إخضاع شيوخ الزوايا، سواء بالترغيب أو الترهيب، حيث نجح في منطقة سوس في فرض سلطته على الحسين شيخ تازروالت وسيدي الحسن بتمخليشت، المنتمين إلى الطريقة الناصرية؛ لكنه فشل في إخضاع سيدي علي أومكي أمهاوش" (28). وهناك نماذج أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا، والتي تؤكد نفس مسلمة (ج.دراك)وغيره من الكولونياليين، بخصوص ذلك الصراع التاريخي بين المخزن والزوايا: وهذا ما تقدمه زوايا أخرى – حسب (ج.دراك) – كالزاوية الشرادية، الدرقاوية، الناصرية والكتانية (29).
إن أهم خلاصة يمكن الخروج بها إذن، ومن خلال ما تقدم عرضه بخصوص هذه الأطروحة، هي ذلك السعي الحثيث نحو إقامة تعارض جذري بين حالتين اجتماعيتين وسياسيتين متنافرتين: هما القبيلة والمخزن؛ وهكذا يبدو الصراع بينهما - في الأصل- صراعا بين (البربر والعرب)، (الأهالي والغزاة)، (العرف والشرع)، (الجبل والسهل)، (البادية والمدينة)، (الديمقراطية والاستبداد)(30). أما الزوايا، فقد شكلت في هذا الإطار رأس القيادة السياسية والعسكرية للقبائل في صراعها التاريخي هذا ضد المخزن، ومن هنا سر تخوفه  وتوجسه من هذه السلطة المحلية؛ والذي كان وراء "حركاته" و"محاله" العسكرية ضدها.
لقد كان على المخزن أن يتخلص من هذه القوة السياسية المنافسة، إن هو أراد أن يبسط نفوذه السياسي على كامل التراب؛ فإخضاع القبائل كان مرهونا – حسب ذات الطرح – بإخضاع الزوايا، ومن دون ذلك ستظل السلطة المركزية مهددة حتى في عقر دارها. ولنا أن نستحضر في هذا الإطار المثال الذي يعطيه (ج.دراك) بكل من (زاوية تازروالت)، (زاوية احنصالة) و(الزاوية الدلائية) باعتبارها قد أسست بالفعل "لمخزن بربري" منافس (31)، ظل هو الآخر يبحث لنفسه عن مجالات نفوذ أخرى لبسط هيمنته على السهول الخصبة والمراعي، وصولا إلى الإستيلاء على العاصمة (فاس). ولعل هذا ما جسدته تجربة الزاوية الدلائية قبل أن يتم القضاء عليها في معركة (بطن الرمان) وهدمها من طرف السلطان العلوي (مولاي رشيد) (32).
بعد هذا العرض الموجز للأطروحة الكولونيالية، والذي وقفنا من خلاله على واحدة من أهم مسلماتها بخصوص التاريخ السياسي والاجتماعي  لمغرب ما قبل "الحماية"، وبعد أن بدا لنا تاريخ صراع بين السلطة المركزية العاجزة وسلطات أخرى محلية وجهوية منافسة، ومن ضمنها الزوايا؛ يجدر بنا أن نتساءل هنا عن خلفيات تشبث الخطاب الكولونيالي بمسلمة (التعارض) هذه، وما تمخض عنها من ثنائيات. فما هي إذن دلالات ذلك على مستوى المشروع الاستعماري الفرنسي للمغرب؟ أو بصيغة أدق: كيف حاول المستعمر أن يبحث لنفسه عن مواطئ قدم للدخول، ومن ثم التدخل في شؤون البلاد، من خلال إثارته لهذه التقابلات؟ وما هي الإستراتيجيات التي اتبعها في سبيل إضفاء صفة المشروعية على تدخله هذا؟

3. نظام "الحماية" والتأسيس للمشروع الاستعماري الفرنسي بالمغرب.
بطبيعة الحال، لا يتسع المجال هنا للتفصيل في دقائق السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب، كما لا يمكننا الإحاطة أيضا بكل ثنايا الخطاب الكولونيالي الذي جاء أساسا لخدمة هذه السياسة وتبريرها. ومع ذلك، فإننا سنحاول ما أمكن - وبالرجوع طبعا إلى (مسلمة التعارض) تلك - الإمساك بأهم خيوط اللعبة الكولونيالية التي كانت تحبك في صمت، من خلال رسم صورة قاتمة لمغرب منقسم على نفسه إثنيا، لغويا، دينيا وسياسيا. وفي هذا الإطار، ليس هناك أبلغ ولا أنسب من المثل العربي الشائع: "فرق تسد" لتلخيص مضمون هذه السياسة الاستعمارية.
إن دخول الفرنسيين إلى المغرب وبسط سيادتهم عليه، كان مرهونا طبعا بإقامة ذلك التعارض، وبإذكاء عوامل الصراع وتأجيجه بين قطبيه:"(قطب المخزن) من جهة و(قطب البربر) من جهة ثانية. وفي هذا الإطار، كان عليهم (الفرنسيين) مراقبة موازين القوى بين الطرفين المتصارعين، لاختيار القطب الأنسب الذي يمكن الارتكاز عليه أو التحالف معه بدعوى مؤازرته أو "حمايته" من القطب الخصم. بهذه الطريقة فقط سيتأتى لهؤلاء حق التدخل في شؤون المغرب الداخلية، وذلك تحت غطاء ما يسمى بـ "الحماية" كأساس لإضفاء المشروعية على نظام استعماري في جوهره؛ ولعل هذا ما سينجح الفرنسيون في تحقيقه فعلا على إثر توقيع معاهدة 1912 المسماة بـ(معاهدة الحماية)، والتي تقضي بحماية السلطان، وبالتالي السلطة المركزية من خطر القبائل البربرية المتمردة والسائبة، ووضع حد لحالة "السيبا" التي كانت تعم البلاد.
يعتبر نظام الحماية من هذا المنظور إذن، هو الشكل الأمثل الذي طالما راهنت فرنسا على أن تحقق من خلاله وفي إطاره مشروعها الاستعماري للمغرب. فهي التي كانت تسعى إلى إيجاد سياسة استعمارية فعالة وبأقل التكاليف، وهي التي عبأت لذلك كل طاقاتها العلمية والإستخباراتية. وفيما يلي سنحاول الوقوف على حقيقة ذلك من خلال الكشف عن القيمة المركزية للمفهوم (الحماية) من داخل منطق الخطاب الكولونيالي، وعن دلالاته الإستراتيجية في نهج السياسة الاستعمارية الفرنسية؛ وفي هذا الإطار يمكننا التمييز بين  مرحلتين، أو بالأحرى (استراتيجيتين) مختلفتين: (الإستراتيجية البربرية والإستراتيجية المخزنية).
فإذا كانت الإستراتيجية الثانية – والتي نجح من خلالها الفرنسيون في بسط هيمنتهم على المغرب – قد تأسست على فكرة (حماية المخزن من القبائل البربرية السائبة)، وهذا ما تم تفعليه وبقبول من المخزن الذي وقع على معاهدة 1912، فإن ذلك لم يتم إلا بعد أن فشلت كل الجهود والمحاولات الفرنسية السابقة في إطار الإستراتيجية الأولى التي كانت تتأسس على فكرة (حماية البربر من ذلك المخزن العربي الإسلامي). فماذا عن هاتين الإستراتيجيتين إذن؟

3. 1. الإستراتيجية الأولى، أو الرهان على قطب "البربر".
في الواقع، لم يكن اهتمام الفرنسيين "بالمسألة البربرية" حديث العهد، ولعل هذا ما تؤكده مجموعة من الأبحاث والدراسات التي تم إنجازها في هذا الإطار حول مجتمعات شمال إفريقيا والمغرب تحديدا. ونكتفي هنا بالإحالة على ثلاثة نماذج ترجع كلها إلى مرحلة ما قبل احتلال الجزائر (1830) (33)؛ وهي دراسات تؤسس لبداية التصور الأوروبي والفرنسي تحديدا حول (المسألة البربرية). فقد ركزت الكتب الثلاثة على مسألة تشبث "البربر" أو (الإمازيغن) بأعرافهم ولهجاتهم وعاداتهم، مع نزوعهم الراسخ نحو الحفاظ على استقلالهم في إطار كيانهم القبلي "وهويتهم البربرية"؛ ولعل هذا ما يفسر "حقدهم" على العرب وبالتالي عداءهم للمخزن (العربي الإسلامي) الذي ينظرون إليه كمحتل غاصب.
لكن إذا كانت هذه هي البداية، فإن "المسألة البربرية" ستعرف أوجها بعد احتلال الفرنسيين للجزائر (1830)، حيث سيتم تطوير أطروحة الصراع تلك بين العرب و"البربر" وتعميمها على مرحلة هامة  من تاريخ المغرب ومجتمعات شمال إفريقيا. ومن هذه الزاوية، أصبح تاريخ هذه المجتمعات هو تاريخ صراع بين العرب و"البربر"، كصراع يمكن التأريخ له منذ أول دخول عربي إلى المنطقة في إطار عملية غزو منظم. وكما يذهب أحد المؤرخين الكولونياليين، فإن "البربر" لم يقبلوا أبدا بهذا الغزو، بل قاوموه بكل الوسائل المتاحة ونجحوا في ذلك بين الحين والآخر. وهو بهذا يقول: "وقد وفق البربر المعتصمون بالجبال في مقاومتهم لعزم سكان السهول على تعريبهم، منذ أن شرع في ذلك إدريس الأول في القرن الثامن. وعاشوا دائما
في حالة حصار، ولم يمنعهم ذلك في أن ينزلوا من حين لآخر كتلا بشرية لا سبيل إلى صدها، يقودها مؤسسو الإمبراطوريات" (34). وفي هذا الإطار،  يدرج الباحث تجارب كل من المرابطين والمرينيين باعتبارهم من البربر، إلا أنه قد ركز أكثر على تجربة (المرابطين) التي كادت – في اعتقاده – أن تحقق وحدة المغرب في إطار "دولة بربرية" صنهاجية وذلك في القرن (11م).       
لكن لم يكتب للبربر أن يحافظوا على استقلالهم هذا في إطار "دولتهم البربرية" تلك، وذلك "بسبب زحف (عرب) بني هلال" (35). وربما هذا ما دفع بأحد رواد الأطروحة الكولونيالية، وهو (جورج مارسي) إلى الذهاب أبعد في توصيفه لهذا الوضع، إذ يعتبر بهذا الخصوص بأن "ما يسمى بالغزو الهلالي، يظهر مع البعد الزماني كأكبر كارثة ما كان لبلاد البربر أن تشفى منها تماما" (36). وهذا يعني حسب ذات المنطق الكولونيالي، بأن هناك كوارث أخرى سابقة (غزوات) حدث وأن تعرضت لها بلاد "البربر"، وإن كان ما يسمى (بالغزو العربي) آخرها وأخطرها على الإطلاق.
لم يكن باستطاعة البربر الحفاظ على استقلالهم وفق هذا الطرح إذن، كما لم يكن بمقدورهم تأسيس كيان دولتي موحد وقائم بذاته، والسبب في ذلك يرجع – حسب شارل أندري جوليان – إلى خاصية العجز والنقص المتأصل في الإنسان "البربري"، مما يفسر "في الظاهر كيف أن بلاد البربر كان لها دائما "أسياد أجانب" (37). وقد حاول باحث آخر – وفي إطار نفس الطرح – أن ينظر للمسألة مؤسسا بذلك لتاريخ مغربي على شكل محطات استعمارية؛ وهذا ما جسده بالفعل المنظر الكولونيالي (غوتيي) الذي يقول بهذا الخصوص: "حتى إذا ذهبنا بعيدا في الماضي، فلا نجد إلا شلالا متواترا من الهيمنات الأجنبية: الفرنسيون خلفوا الأتراك الذين خلفوا العرب، وهؤلاء أتوا بعد البيزنطيين، الذين خلفوا الوندال، وهؤلاء حلوا محل الرومان الذين خلفوا القرطاجنيين. ولاحظوا أن الغازي كيفما كان، يبقى سيد المغرب إلى أن يطرده الغازي الجديد منه، أما السكان الأصليون (البربر) فلم يستطيعوا أبدا طرد سيدهم" (38).
بطبيعة الحال، لم يكن الفرنسيون يعتبرون أ