في الواقع، لا يمكن اختزال كل من الأطروحتين (الكولونيالية) و(الوطنية) في حدود إشكالية واحدة، كما هو مطروح بالنسبة إلينا هنا. لأن الأمر يتعلق بإنتاج معرفي ضخم ، مع ما يوازي ذلك طبعا من تعدد وتنوع على مستوى موضوعات البحث والإشكاليات المطروحة، هذا علاوة على كونه إنتاجا يظل موزعا بين عدة فروع معرفية : كالتاريخ، الإثنوغرافيا، الأنثروبولوجيا، الجغرافية السياسية والسوسيولوجيا. لكن وارتباطا بذات الإشكالية التي نحن بصددها، يمكننا الوقوف على بعض الخطوط العريضة التي قد تسعفنا في رسم صورة واضحة - إلى حد ما – حول كل من الأطروحتين. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال حول طبيعة العلاقة بين "الزوايا" و"المخزن" في التاريخ السياسي المغربي، قد شكل - فعلا - أساسا من أسس الاختلاف والتعارض ما بين الأطروحتين، وبالتالي منطلقا لصياغة الفروض حول طبيعة العلاقة بين الديني والسياسي كمدخل لطرح إشكالية السلطة والمجتمع بالمغرب الما قبل كولونيالي.
فكما تطلعنا المصادر التاريخية، فقد عرفت هذه الفترة من تاريخ المغرب مجموعة من الأحداث والوقائع السياسية، التي تشهد بتأزم العلاقة – وعلى مستويات عدة – بين السلطة والمجتمع. وهنا بالذات، ومن هذا المنطلق، سيرتبط تاريخ الزوايا وبشكل وثيق بالتاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب. بحيث شكلت في هذا الإطار قوة سياسية وازنة، استطاعت أن تفرض نفسها على المخزن (كسلطة محلية) قائمة بذاتها؛ تسندها قاعدة قبلية عريضة. وقد استفادت الزوايا في ذلك، وعلاوة على تنظيماتها المتجذرة، من ذلك الامتياز الإيديولوجي القوي الذي كانت تمنحه إياها فكرة الانتماء الشرفاوي. ولا يخفى في هذا الإطار ما كانت تشكله من خطورة حقيقية على المخزن، باعتبارها القوة السياسية الوحيدة التي كانت تنافسه في إحدى أهم رموز مشروعيته السياسية؛ ونعني بالطبع الإيديولوجية الشرفاوية: (فكل من السلطان وشيخ الزاوية يعتبر شريفا، تربطه قرابة دموية بنبي الأمة). وربما هذا ما يفسر أيضا القيمة النظرية والسياسية اليوم لموضوع الزوايا، خاصة لما نستحضر تلك الطبيعة المزدوجة للنسق السياسي المغربي المعاصر: (حداثي/تقليدي)، ونطرح سؤال الممارسة والمشروعية السياسيتين في ضوء جدلية الديني والسياسي. إذ لا يمكن في هذا الإطار، نفي أو تجاهل حقيقة ذلك الإرث التاريخي الثقيل والمزعج، ممثلا في تلك الاستمرارية القوية والمتجددة لبعض الثوابت التنظيمية والإيديولوجية المتوارثة عن تنظيم الزوايا: سواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية، أو تنظيمات الإسلام السياسي، أو المؤسسة الملكية كفاعل مركزي من داخل هذا النسق*.
بطبيعة الحال، لسنا هنا بصدد مقاربة النسق السياسي المغربي المعاصر، بما يتأسس عليه من مفارقات. لكن، يمكن اعتبار هذا المقال مساهمة متواضعة في التمهيد لذلك؛ وإن كانت الإشكالية المطروحة هنا تخص طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في المغرب الماقبل كولونيالي. لعل هذا ما سنعمل على تطويره ومعالجته إذن، من خلال قراءة نقدية لكل من الأطروحتين: (الكولونيالية) و (الوطنية) مع اقتراحنا لمشروع أطروحة بديلة. فماذا عن الأطروحتين إذن؟ ولماذا هذا الاهتمام الكبير بموضوع الزوايا، خاصة من قبل الكولونياليين؟ ثم كيف تصور هؤلاء طبيعة العلاقة بين الزوايا والمخزن في التاريخ السياسي المغربي؟ وما هي الخلفيات الإيديولوجية التي تأسس عليها الخطاب الكولونيالي؟ وفي الجانب المقابل: هل نجحت الأطروحة الوطنية - التي جاءت كرد على هذا الخطاب ومحاولة لتجاوزه ودحضه - من وضع تلك العلاقة بين الزوايا والمخزن في إطارها الصحيح، أم أنها هي الأخرى ظلت حبيسة المعالجة الإيديولوجية الضيقة، لواحدة من اعقد الإشكاليات التي تمس جوانب هامة من التاريخ الديني، الاجتماعي والسياسي لمغرب ما قبل "الحماية"؟
1. ماذا نعني بالأطروحة الكولونيالية؟
كما هو معلوم، ينطبق هذا التحديد على كل الأبحاث والدراسات والتقارير التي أنجزها باحثون أوروبيون(ضباط، مخبرون، ودارسون متخصصون) حول المغرب وباقي مجتمعات شمال إفريقيا، والهدف طبعا هو ضبط هذه المجتمعات ومعرفتها من الداخل بغية تأمين وتسهيل عملية السيطرة الاستعمارية عليها. هكذا إذن، سيتحدد دور المعرفة العلمية كسلاح استراتيجي سيتم توظيفه، بشكل ذكي، من طرف الإدارة الاستعمارية و(الفرنسية) تحديدا في هذا الاتجاه. لعل هذا هو السبيل الأمثل الذي ستتوحد حوله آراء وتصورات منظري الإدارة الاستعمارية الفرنسية وسياسييها بخصوص حالة المغرب، خاصة وأن الأسلوب العسكري التقليدي قد كلف فرنسا الشيء الكثير في أثناء احتلالها للجزائر منذ عام 1830م.
وفي هذا الإطار بالذات تأتي هذه القولة الشهيرة لأحد منظري وأقطاب التغلغل الاستعماري بالمغرب، والأمر يتعلق بمؤسس "البعثة العلمية" بالمغرب (ألفرد لوشاتوليي) حيث صرح قائلا:"يجب أن يكون لنا على الحدود المغربية أقل ما يمكن من طلقات البنادق، وأكثر ما يمكن من النشاطات الاقتصادية والسياسية"(1).ولتحقيق هذه المعادلة الاستعمارية، كان لابد أولا من تكثيف أنشطة البحث العلمي، عملا بشعار:"المعرفة أساس السيطرة". في هذا السياق إذن، كان إلحاح الإدارة الفرنسية شديدا على أن الهدف الأسمى من "النشاط العلمي بالمغرب ومعرفة شؤونه وأحواله، يجب أن يكون البحث في سياسة استعمارية فعالة و"سلمية" وعلمية، أي بأقل التكاليف المادية والبشرية"(2).
ارتباطا بنفس الأهداف الاستعمارية إذن، كان لابد من خلق بنيات تحتية مؤسساتية، قادرة على احتضان هذا النشاط العلمي وتطويره وتوجيهه في المسار الكولونيالي المنشود. وفي هذا الإطار يأتي خلق عدد من "المؤسسات العلمية" من قبيل: (البعثة العلمية) و(معهد الدراسات العليا المغربية)، علاوة على معاهد أخرى ومؤسسات إدارية وعسكرية موازية من قبيل: (إدارة الشؤون الأهلية). هذا دون أن ننسى ما واكب ذلك من إنشاء لمنابر علمية ومجلات متخصصة ارتبطت بنفس الهياكل المؤسساتية، ونكتفي بإعطاء النموذج هنا بمجلة "إفريقيا الفرنسية"، مجلة "العالم الإسلامي" - التي أنشأها لوشاتولي- ومجلة "أرشيفات بربرية" و"أرشيفات مغربية"، علاوة على سلسلة "مدن وقبائل المغرب" والقائمة طويلة. لعل إطلالة سريعة على ما أنجز وما نشر من أبحاث ودراسات في هذا الإطار، لكفيل بأن يكشف عن تورطها؛ ويكفينا بهذا الخصوص أن نحيل هنا على الدراسة البيبليوغرافية النقدية التي أنجزها الباحث Andre Adam، والتي يقدم من خلالها عرضا نقديا تفصيليا لأهم الدراسات الكولونيالية التي أنجزت حول المغرب (3).
وفي نفس السياق أيضا تأتي الدراسة القيمة التي خصها الباحث (إدموند بورك) لفضح وتعرية المسكوت عنه في الخطاب الكولونيالي، وذلك من خلال تشريحه للجسم المؤسساتي الذي احتضن هذا الخطاب. وفي هذا الإطار بالذات، انصبت دراسة الباحث حول واحدة من أهم المؤسسات "العلمية" الاستعمارية، والأمر يتعلق بمؤسسة (البعثة العلمية). فاستنادا إلى تقارير (ألفرد لوشاتولي) و(بول رافوال)، و(أوجيست تري)، وبالرجوع أيضا إلى أرشيفات (وزارة الشؤون الخارجية) الفرنسية و(كوليج دوفرانس) وكذلك أرشيفات (مصلحة الحرب) و(مصلحة التاريخ التابعة للجيش)، انتهى الباحث إدموند بورك إلى تأكيد تورط هذه المؤسسة في المشروع الكولونيالي. فهو يقول بهذا الخصوص: "ومجموع هذه المصادر يتيح لنا أن نقف بسهولة على سير المفاوضات، ومحاولة إخفاء بعض المعطيات ونسج الدسائس التي كانت تحبك وراء تأسيس البعثة العلمية"(4).
لقد كان هاجس البحث في إطار هذه المؤسسة وغيرها من مؤسسات البحث والتوثيق، بعيدا كل البعد عن الهموم والانشغالات العلمية. بحيث ظل مسكونا بهواجس سياسية استعمارية، وفي مقدمتها هاجس إضفاء المشروعية اللازمة على الاستعمار الفرنسي للبلاد؛ ولأجل ذلك – وعلى حد تعبير أحد الباحثين – كان باحثو ومنظرو الإدارة الاستعمارية من أمثال:(جورج مارسي، ر.مونطاني، كامب، البرتيني، غريل، م. بيلير) وغيرهم "يستبيحون كل الخروقات والمستغربات"(5).
فما هي أهم المسلمات التي حاول هؤلاء تأكيدها من خلال أبحاثهم والدفاع عنها، في سبيل شرعنة التدخل الاستعماري الفرنسي بالمغرب؟ وكيف تم استثمار موضوع الزوايا في هذا الإطار؟
2. الأطروحة الكولونيالية: (قراءة في بعض عناصر السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب).
في الواقع، ليس هناك ما يثير الانتباه أكثر من مقولة"السيبا" الأكثر تداولا ورواجا من داخل الخطاب الكولونيالي، ويمكن اعتبار هذه المقولة بمثابة المفتاح لفهم بعض مضمرات هذا الخطاب ومرتكزاته الإيديولوجية. لقد استخدم هذا المفهوم لتوصيف حالة الفوضى السياسية والتمرد القبلي الدائم ضد السلطة وضد كل ما هو مناف لاستقلالية الشخصية القبلية البربرية. ومن هذا المنظور، تعتبر "السيبا" في التحديد الفرنسي الكولونيالي "ظاهرة سياسية، ارتبط وجودها بضعف المخزن وطبيعته الاستبدادية والطفيلية من جهة، وميل القبائل الغريزي أو الفطري للاستقلال والعيش في فوضاها التقليدية، ورفضها الاندماج في كيان تنظمه وتؤطره سلطة مركزية عليا"(6). وهكذا يصبح المغرب - وفق هذا التصور - مقسما بين بلاد للسيبا: وتتشكل في معظمها من القبائل "البربرية" المتحصنة بالجبال، وبلاد المخزن: وهي لا تكاد تتجاوز حدود المدينة (العاصمة) ومحيطها الذي يتشكل من قبائل عربية تستوطن السهول. لعل هذا ما حاول إثباته أحد منظري الإدارة الاستعمارية، من خلال دراسة ضخمة خصها لتاريخ العلاقة بين القبائل "البربرية" (خاصة قبائل الجنوب – سوس) والمخزن، وهي دراسة تعتبر نموذجا لغيرها من الدراسات الكولونيالية في هذا الإطار، بحيث ستتم إقامة تعارض تام بين "مجتمع بربري" أصيل، ميال بطبيعته إلى قيم الديمقراطية والمشاركة السياسية وله مؤسساته الخاصة به ونظامه الملائم لواقع حياته وثقافته وتقاليده "البربرية" العريقة، وبين "مخزن عربي"دخيل ومتسلط (7). وهذا التقسيم نفسه، هو الذي ستتم استعادته – بشكل أو بآخر – من قبل الانقساميين، على اعتبار أن الأطروحة الانقسامية - وفي هذه النقطة بالذات - لا تعدو أن تكون سوى استغراقا للطرح الكولونيالي .
في نفس السياق إذن، يؤكد أحد الانقساميين بأن هذه الثنائية ظلت واقعا مرتبطا بعمق بتاريخ المغرب كواحد من المجتمعات "الانقسامية"؛ كما أن "الفروقات الموجودة بين بلاد المخزن وبلاد السيبة، هي ذات طابع إثني وسياسي وديني وجغرافي"(8).
إن تاريخ المغرب إذن، لا يمكن أن يفهم إلا على ضوء ذلك الصراع الذي تغذيه تلك الفروقات، وهذا ما سيتم التعبير عنه من خلال الخطاب الكولونيالي عبر سلسلة من الثنائيات المتناسلة، كصراع بين (عرب / بربر)، (دخلاء / أصلاء)، (غزاة/ أهالي)... هناك علاقة صراع وتصادم إذن بين نظامين متنافرين هما المخزن والقبائل، "أما الزوايا – يقول علماء الاجتماع الفرنسيون – فهي لا تكاد تكون سوى أداة فعالة لتأطير سخط القبائل وكراهيتها للمخزن" (9). بل أكثر من ذلك، فقد ذهب بعض هؤلاء إلى الحديث عن صراع بين "زاوية بربرية" مهمتها قيادة وتأطير القبائل البربرية، ضد المخزن العربي الذي يمثل بدوره زاوية كبرى؛ ومن هنا يصبح الصراع قائما بين طريقة أو زاوية محلية وبين زاوية أو طريقة كبرى هي الدولة المخزنية(10). وفي نفس السياق ستتطور أطروحة "الزاوية البربرية"(11) مع كل من (ج. دراك) و(م. بيلير) وغيرهما.
لقد اعتبر (ميشو بيلير) في هذا الاتجاه، بأن الزاوية الخمليشية بالريف وكتلة صنهاجة السراير تجسد النموذج التاريخي لما يسمى بالزاوية البربرية، وهي بذلك تعتبر واحدة من الزوايا البربرية الأخرى التي ساهمت في تشكيل وبناء ما يصطلح عليه الباحث بـ (الحلف الصنهاجي البربري)، الذي كانت تقوده وتؤطره الطريقة الناصرية. فقد أكد (م. بيلير) على ذلك التلاحم الذي بثته هذه الطريقة الصوفية في كيان (الأمة الصنهاجية البربرية) رغم تباعد أجزائها، وهذا ما كان يتم تحت قيادة شيخ الرماة (علي بناصر) (12). ويعزو (م. بيلير) – في هذا الإطار – مسألة تأسيس عدد من "الزوايا البربرية" بالمغرب إلى ذلك الانتشار القوي للنفوذ الناصري، خاصة عبر ما عرف بـ (جمعيات الرماة). وهنا بالذات – يضيف (م.بيلير) – يكمن المبدأ الأساسي الذي كان وراء تأسيس "الزاوية الدلائية"، ثم فيما بعد كل من "زاوية أبو بكر امهاوش"، "زاوية بوشتى الخمار"، و"الزاوية الخمليشية"(13).
لقد اعتبر (م.بيلير) هذه الزوايا بمثابة تأكيد على الرغبة في استقلال القبائل"البربرية" الصنهاجية، وتشبثها بتنظيمها الذي ظل فاعلا من داخل (الأمة الصنهاجية) وضامنا لإعادة تشكلها (14). وفي سبيل ذلك الاستقلال، خاضت الزاوية الخمليشية وزوايا أخرى، تحت قيادة الباشا أحمد الريفي، مجموعة من المعارك ضد المخزن: ومن أهمها المعركة التي وقعت في المنزه بالقصر الكبير في 4 جمادى 1156 – 2 يوليو 1743 بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله والباشا أحمد بن علي الريفي، حيث مات هذا الأخير ومعه سيدي علي خمليش (15).
باختصار، إن ما يريد الباحث إبرازه هنا هو ذلك التحالف الذي كان حاصلا بين الزوايا البربرية، في إطار ما يصطلح عليه بـ (الأمة الصنهاجية)؛ وهو تحالف كان يضمن للقبائل البربرية قوتها ومناعتها ضد أي اختراق عربي (مخزني)، وقد ظل قائما على الرغم من تباعد أجزاء تلك الأمة. وهذا ما حاول تأكيده أيضا من خلال نموذج الزاويتين (الخمليشية) و(زاوية أمهاوش)، لما استنتجه من تشابه في الأسماء بين الأسرتين: حيث أن أحد خمالشة "زاوية بوسرغين" بقبيلة بني سدات الصنهاجية كان هو الآخر يدعى (سيدي أحمد أمهاوش) (16)؛ مع العلم أنه لا وجود لأية زاوية خمليشية بهذا الإسم، ولا لأي خمليشي كذلك يدعى امهاوش (17).
في إطار نفس الأطروحة أيضا، يذهب (ج.دراك) إلى اعتبار (زاوية أبو بكر امهاوش) نموذجا للزاوية البربرية الرافضة لسلطة المخزن العربي، وقد شكلت بذلك "الأداة المحركة والمنظمة لثورة بربرية (زناتية) ضد المخزن" (18).
لقد ارتبط وجود الزوايا واستمرارها بالمغرب إذن، بواقع "السيبا" الذي لخص من خلاله الكولونياليون مجمل التاريخ الديني، السياسي والاجتماعي لهذا البلد. وليس صدفة أن نجد أحد هؤلاء الباحثين يعود إلى القرن 16م، وهو التاريخ الذي سيشهد انبثاق تنظيم الزوايا بالمغرب، كي يؤرخ للظاهرة (السيبا). ففي تقديره، فإن تاريخ المغرب ومنذ القرن 16 لم يكن سوى صراعا بين السلطة المركزية والزعماء الدينيين (شيوخ الزوايا) (19)؛ وهذا ما يمكن التأكد منه بالرجوع إلى المصادر الحقيقية لهذا التاريخ – والتي هي حسب الباحث – (كتب المناقب وتراجم الشرفاء والعلماء والصلحاء)، التي تمثل في هذا الإطار البديل عن الكتابات التأريخية (الأسطوغرافية) المخصصة للملوك والسلاطين (20).
ولعل ما يعزز واقع الإرتباط هذا بين "الزوايا" و"السيبا"- حسب الباحثين الكولونياليين –هو كثرة المواجهات التي شهدها التاريخ المغربي بين المخزن والقبائل المتمردة، خاصة وأن المخزن لم يكن يرى في القبائل- حسب هؤلاء الباحثين – سوى محيطا ضريبيا. ويعطي (جورج دراك) المثال هنا بعدد من الزوايا: كزاوية تزروالت (إيليغ)، والتي كانت تؤطر تمرد القبائل السوسية قبل أن يتم سحقها من طرف جيش السلطان مولاي رشيد (21)، وزاويتي"آيت امهاوش وأحنصال المتحصنتين بجبال الأطلس" (22)، واللتان كانتا تؤطران مجموع القبائل البربرية الصنهاجية التي كانت تستوطن المجال الجبلي بالأطلس. وقد "عمل المولى إسماعيل شخصيا على ترأس الحركات الموجهة لقمعهم، وهكذا قام ببناء عدة قصبات حول مستقراتهم لاحتواء خطرهم (23). كما اتبع السلاطين العلويون نفس السياسة اتجاه الزوايا، مما يؤكد حسب (ج.دراك) استمرار وضع السيبا الذي كانت تغذيه تطلعات القبائل نحو "الإستقلال" عن سلطة المخزن، وسخطها الدائم الذي كانت الزوايا تؤطره وتوجهه ضده. وفي هذا الإطار إذن، "وفي 1784-1785 قام السلطان (سيدي محمد بن عبد الله) بهدم زاوية سيدي محمد العربي الشرقاوي بأبي الجعد، وطرد المقيمين بها ونفي الشيخ وأتباعه إلى مراكش" (24). وستتكرر نفس الأحداث أيضا مع السلطان (مولاي سليمان) الذي لاقى مواجهة شديدة من قبل قبائل الأطلس البربرية، تحت قيادة زاوية أبي بكر امهاوش، حيث سيلقى السلطان "هزيمة نكراء في 1810 من طرف أبي بكر امهاوش ما بين آزرو وآسفي"(25).
وفي نفس السياق دائما، فقد استوحى السلطان الحسن الأول سياسة كل من السلطانين (مولاي إسماعيل) و(سيدي محمد بن عبد الله) فيما يتعلق بمواجهة القبائل البربرية وزواياها(26)، حيث "اقتصرت سياسته على اكتساح جبال الأطلس المتوسط ووسط الأطلس، لكي يعزل الكتل البربرية ويضعفها ثم يقضي عليها في الوقت المناسب"(27). في هذا الإطار، كان يتوجب عليه "إخضاع شيوخ الزوايا، سواء بالترغيب أو الترهيب، حيث نجح في منطقة سوس في فرض سلطته على الحسين شيخ تازروالت وسيدي الحسن بتمخليشت، المنتمين إلى الطريقة الناصرية؛ لكنه فشل في إخضاع سيدي علي أومكي أمهاوش" (28). وهناك نماذج أخرى كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا، والتي تؤكد نفس مسلمة (ج.دراك)وغيره من الكولونياليين، بخصوص ذلك الصراع التاريخي بين المخزن والزوايا: وهذا ما تقدمه زوايا أخرى – حسب (ج.دراك) – كالزاوية الشرادية، الدرقاوية، الناصرية والكتانية (29).
إن أهم خلاصة يمكن الخروج بها إذن، ومن خلال ما تقدم عرضه بخصوص هذه الأطروحة، هي ذلك السعي الحثيث نحو إقامة تعارض جذري بين حالتين اجتماعيتين وسياسيتين متنافرتين: هما القبيلة والمخزن؛ وهكذا يبدو الصراع بينهما - في الأصل- صراعا بين (البربر والعرب)، (الأهالي والغزاة)، (العرف والشرع)، (الجبل والسهل)، (البادية والمدينة)، (الديمقراطية والاستبداد)(30). أما الزوايا، فقد شكلت في هذا الإطار رأس القيادة السياسية والعسكرية للقبائل في صراعها التاريخي هذا ضد المخزن، ومن هنا سر تخوفه وتوجسه من هذه السلطة المحلية؛ والذي كان وراء "حركاته" و"محاله" العسكرية ضدها.
لقد كان على المخزن أن يتخلص من هذه القوة السياسية المنافسة، إن هو أراد أن يبسط نفوذه السياسي على كامل التراب؛ فإخضاع القبائل كان مرهونا – حسب ذات الطرح – بإخضاع الزوايا، ومن دون ذلك ستظل السلطة المركزية مهددة حتى في عقر دارها. ولنا أن نستحضر في هذا الإطار المثال الذي يعطيه (ج.دراك) بكل من (زاوية تازروالت)، (زاوية احنصالة) و(الزاوية الدلائية) باعتبارها قد أسست بالفعل "لمخزن بربري" منافس (31)، ظل هو الآخر يبحث لنفسه عن مجالات نفوذ أخرى لبسط هيمنته على السهول الخصبة والمراعي، وصولا إلى الإستيلاء على العاصمة (فاس). ولعل هذا ما جسدته تجربة الزاوية الدلائية قبل أن يتم القضاء عليها في معركة (بطن الرمان) وهدمها من طرف السلطان العلوي (مولاي رشيد) (32).
بعد هذا العرض الموجز للأطروحة الكولونيالية، والذي وقفنا من خلاله على واحدة من أهم مسلماتها بخصوص التاريخ السياسي والاجتماعي لمغرب ما قبل "الحماية"، وبعد أن بدا لنا تاريخ صراع بين السلطة المركزية العاجزة وسلطات أخرى محلية وجهوية منافسة، ومن ضمنها الزوايا؛ يجدر بنا أن نتساءل هنا عن خلفيات تشبث الخطاب الكولونيالي بمسلمة (التعارض) هذه، وما تمخض عنها من ثنائيات. فما هي إذن دلالات ذلك على مستوى المشروع الاستعماري الفرنسي للمغرب؟ أو بصيغة أدق: كيف حاول المستعمر أن يبحث لنفسه عن مواطئ قدم للدخول، ومن ثم التدخل في شؤون البلاد، من خلال إثارته لهذه التقابلات؟ وما هي الإستراتيجيات التي اتبعها في سبيل إضفاء صفة المشروعية على تدخله هذا؟
3. نظام "الحماية" والتأسيس للمشروع الاستعماري الفرنسي بالمغرب.
بطبيعة الحال، لا يتسع المجال هنا للتفصيل في دقائق السياسة الاستعمارية الفرنسية بالمغرب، كما لا يمكننا الإحاطة أيضا بكل ثنايا الخطاب الكولونيالي الذي جاء أساسا لخدمة هذه السياسة وتبريرها. ومع ذلك، فإننا سنحاول ما أمكن - وبالرجوع طبعا إلى (مسلمة التعارض) تلك - الإمساك بأهم خيوط اللعبة الكولونيالية التي كانت تحبك في صمت، من خلال رسم صورة قاتمة لمغرب منقسم على نفسه إثنيا، لغويا، دينيا وسياسيا. وفي هذا الإطار، ليس هناك أبلغ ولا أنسب من المثل العربي الشائع: "فرق تسد" لتلخيص مضمون هذه السياسة الاستعمارية.
إن دخول الفرنسيين إلى المغرب وبسط سيادتهم عليه، كان مرهونا طبعا بإقامة ذلك التعارض، وبإذكاء عوامل الصراع وتأجيجه بين قطبيه:"(قطب المخزن) من جهة و(قطب البربر) من جهة ثانية. وفي هذا الإطار، كان عليهم (الفرنسيين) مراقبة موازين القوى بين الطرفين المتصارعين، لاختيار القطب الأنسب الذي يمكن الارتكاز عليه أو التحالف معه بدعوى مؤازرته أو "حمايته" من القطب الخصم. بهذه الطريقة فقط سيتأتى لهؤلاء حق التدخل في شؤون المغرب الداخلية، وذلك تحت غطاء ما يسمى بـ "الحماية" كأساس لإضفاء المشروعية على نظام استعماري في جوهره؛ ولعل هذا ما سينجح الفرنسيون في تحقيقه فعلا على إثر توقيع معاهدة 1912 المسماة بـ(معاهدة الحماية)، والتي تقضي بحماية السلطان، وبالتالي السلطة المركزية من خطر القبائل البربرية المتمردة والسائبة، ووضع حد لحالة "السيبا" التي كانت تعم البلاد.
يعتبر نظام الحماية من هذا المنظور إذن، هو الشكل الأمثل الذي طالما راهنت فرنسا على أن تحقق من خلاله وفي إطاره مشروعها الاستعماري للمغرب. فهي التي كانت تسعى إلى إيجاد سياسة استعمارية فعالة وبأقل التكاليف، وهي التي عبأت لذلك كل طاقاتها العلمية والإستخباراتية. وفيما يلي سنحاول الوقوف على حقيقة ذلك من خلال الكشف عن القيمة المركزية للمفهوم (الحماية) من داخل منطق الخطاب الكولونيالي، وعن دلالاته الإستراتيجية في نهج السياسة الاستعمارية الفرنسية؛ وفي هذا الإطار يمكننا التمييز بين مرحلتين، أو بالأحرى (استراتيجيتين) مختلفتين: (الإستراتيجية البربرية والإستراتيجية المخزنية).
فإذا كانت الإستراتيجية الثانية – والتي نجح من خلالها الفرنسيون في بسط هيمنتهم على المغرب – قد تأسست على فكرة (حماية المخزن من القبائل البربرية السائبة)، وهذا ما تم تفعليه وبقبول من المخزن الذي وقع على معاهدة 1912، فإن ذلك لم يتم إلا بعد أن فشلت كل الجهود والمحاولات الفرنسية السابقة في إطار الإستراتيجية الأولى التي كانت تتأسس على فكرة (حماية البربر من ذلك المخزن العربي الإسلامي). فماذا عن هاتين الإستراتيجيتين إذن؟
3. 1. الإستراتيجية الأولى، أو الرهان على قطب "البربر".
في الواقع، لم يكن اهتمام الفرنسيين "بالمسألة البربرية" حديث العهد، ولعل هذا ما تؤكده مجموعة من الأبحاث والدراسات التي تم إنجازها في هذا الإطار حول مجتمعات شمال إفريقيا والمغرب تحديدا. ونكتفي هنا بالإحالة على ثلاثة نماذج ترجع كلها إلى مرحلة ما قبل احتلال الجزائر (1830) (33)؛ وهي دراسات تؤسس لبداية التصور الأوروبي والفرنسي تحديدا حول (المسألة البربرية). فقد ركزت الكتب الثلاثة على مسألة تشبث "البربر" أو (الإمازيغن) بأعرافهم ولهجاتهم وعاداتهم، مع نزوعهم الراسخ نحو الحفاظ على استقلالهم في إطار كيانهم القبلي "وهويتهم البربرية"؛ ولعل هذا ما يفسر "حقدهم" على العرب وبالتالي عداءهم للمخزن (العربي الإسلامي) الذي ينظرون إليه كمحتل غاصب.
لكن إذا كانت هذه هي البداية، فإن "المسألة البربرية" ستعرف أوجها بعد احتلال الفرنسيين للجزائر (1830)، حيث سيتم تطوير أطروحة الصراع تلك بين العرب و"البربر" وتعميمها على مرحلة هامة من تاريخ المغرب ومجتمعات شمال إفريقيا. ومن هذه الزاوية، أصبح تاريخ هذه المجتمعات هو تاريخ صراع بين العرب و"البربر"، كصراع يمكن التأريخ له منذ أول دخول عربي إلى المنطقة في إطار عملية غزو منظم. وكما يذهب أحد المؤرخين الكولونياليين، فإن "البربر" لم يقبلوا أبدا بهذا الغزو، بل قاوموه بكل الوسائل المتاحة ونجحوا في ذلك بين الحين والآخر. وهو بهذا يقول: "وقد وفق البربر المعتصمون بالجبال في مقاومتهم لعزم سكان السهول على تعريبهم، منذ أن شرع في ذلك إدريس الأول في القرن الثامن. وعاشوا دائما
في حالة حصار، ولم يمنعهم ذلك في أن ينزلوا من حين لآخر كتلا بشرية لا سبيل إلى صدها، يقودها مؤسسو الإمبراطوريات" (34). وفي هذا الإطار، يدرج الباحث تجارب كل من المرابطين والمرينيين باعتبارهم من البربر، إلا أنه قد ركز أكثر على تجربة (المرابطين) التي كادت – في اعتقاده – أن تحقق وحدة المغرب في إطار "دولة بربرية" صنهاجية وذلك في القرن (11م).
لكن لم يكتب للبربر أن يحافظوا على استقلالهم هذا في إطار "دولتهم البربرية" تلك، وذلك "بسبب زحف (عرب) بني هلال" (35). وربما هذا ما دفع بأحد رواد الأطروحة الكولونيالية، وهو (جورج مارسي) إلى الذهاب أبعد في توصيفه لهذا الوضع، إذ يعتبر بهذا الخصوص بأن "ما يسمى بالغزو الهلالي، يظهر مع البعد الزماني كأكبر كارثة ما كان لبلاد البربر أن تشفى منها تماما" (36). وهذا يعني حسب ذات المنطق الكولونيالي، بأن هناك كوارث أخرى سابقة (غزوات) حدث وأن تعرضت لها بلاد "البربر"، وإن كان ما يسمى (بالغزو العربي) آخرها وأخطرها على الإطلاق.
لم يكن باستطاعة البربر الحفاظ على استقلالهم وفق هذا الطرح إذن، كما لم يكن بمقدورهم تأسيس كيان دولتي موحد وقائم بذاته، والسبب في ذلك يرجع – حسب شارل أندري جوليان – إلى خاصية العجز والنقص المتأصل في الإنسان "البربري"، مما يفسر "في الظاهر كيف أن بلاد البربر كان لها دائما "أسياد أجانب" (37). وقد حاول باحث آخر – وفي إطار نفس الطرح – أن ينظر للمسألة مؤسسا بذلك لتاريخ مغربي على شكل محطات استعمارية؛ وهذا ما جسده بالفعل المنظر الكولونيالي (غوتيي) الذي يقول بهذا الخصوص: "حتى إذا ذهبنا بعيدا في الماضي، فلا نجد إلا شلالا متواترا من الهيمنات الأجنبية: الفرنسيون خلفوا الأتراك الذين خلفوا العرب، وهؤلاء أتوا بعد البيزنطيين، الذين خلفوا الوندال، وهؤلاء حلوا محل الرومان الذين خلفوا القرطاجنيين. ولاحظوا أن الغازي كيفما كان، يبقى سيد المغرب إلى أن يطرده الغازي الجديد منه، أما السكان الأصليون (البربر) فلم يستطيعوا أبدا طرد سيدهم" (38).
بطبيعة الحال، لم يكن الفرنسيون يعتبرون أنفسهم أجانب، لأن البربر هم في الأصل (أبناء عمومتهم)؛ وهذا ما يؤكده الأصل المشترك بينهما، على اعتبار أن الإثنين معا ينتميان إلى الجنس الآري. وعلى هذا الأساس، فإن واجب فرنسا يفرض عليها التدخل من أجل حماية هذا "الشريك السرمدي" الذي لا يقدر أن يفعل شيئا بمفرده" (39).
لقد حاول منظرو الأطروحة الكولونيالية إذن– ومن خلال إثارتهم للمسألة العرقية هذه – إعادة إنتاج أسطورة ما يسمى بالعصر الروماني وحضارته المشرقة ببلاد البربر، ولعل هذا ما يتأكد من خلال مجموعة من الأبحاث والدراسات. فقد ركز الأنثروبولوجيون الفرنسيون في هذا الإطار على تشريح بنيان المجتمع "البربري" بالمغرب، من خلال تركيزهم الشديد على عناصر: اللغة، الدين، اللباس، العادات والتقاليد. هذا علاوة على العناصر البيولوجية والذهنية التي تميز الإنسان البربري عن العربي وتجعل منه استمرارا فعليا للعنصر الروماني. بل حتى على مستوى إيكولوجي توحي حياة "البربري" بذلك التشابه مع "ابن عمه" الأوروبي، ناهيك عن أشكال التنظيم السياسي والاجتماعي المشبعة بروح الديمقراطية، كما كان الأمر مع الأجداد (الرومان). وفق هذا المنطق إذن، يتضح مدى هول "الكارثة" التي سيتسبب فيها دخول "الغازي العربي" إلى المغرب؛ فالعرب وحدهم المسؤولون – وبحكم طبيعتهم التسلطية – عن القضاء على هذه التقاليد الديمقراطية وإجهاض تجربة تاريخية تمتد من "العصر الروماني المشرق"(40). لعل هذا ما حذا بكل من (M.M.Bertholon) و (Chanter) إلى اعتبار أن المجتمع المحلي (البربري) قد تعرض بالفعل إلى نوع من الجمود أثناء "الغزو العربي" (41) ، وأن مقدم الأوربيين إلى المغرب ليس إلا لإنقاذ إخوانهم البربر (الآريين) الطيبين من غزو وتسلط العنصر العربي (السامي) ؛ وبالتالي إخراجهم من حالة الركود التي أضحوا عليها بسبب هذا الغزو (42). بل أكثر من ذلك – وكما يذهب ش. أندري جوليان – فقد اتخذت المسألة منحى أكثر تطرفا وإمعانا في العنصرية، خاصة لدى أولئك الذين حاولوا تبرير الوجود الفرنسي بالمغرب بحجة "الدفاع عن هذه القبائل (البربرية) وحمايتها من عدوى "التلويث العربي" (43).
لقد اجتهد الخطاب الكولونيالي الفرنسي إذن، في إبراز وتأكيد ذلك التعارض التاريخي بين كيانين منفصلين هما: "المخزن العربي" و"القبائل البربرية" السائبة، كما اجتهد في ربط تاريخ ومصير "البربر" بالدولة الاستعمارية الفرنسية. وهكذا، فبقدر ما يتعمق التباعد بين الفرنسيين والمخزن الإسلامي، بقدر ما تبدو القبائل البربرية وفق (الإستراتيجية الاستعمارية) أقرب إلى الفرنسيين في كل شيء، وهنا بالذات تكمن الخلفية الإيديولوجية "للسياسة البربرية"Le berbérisme التي تم تأسيسها على قاعدة "الاختلاف والتعارض على مستوى الأخلاق، العادات، التنظيم الاجتماعي، اللغة وعلى نفور البربر من كل ما له صلة بالمخزن" ( 44). بحيث كان هم الفرنسيين من وراء ذلك هو إيجاد المنفذ "الشرعي" للدخول إلى المغرب، وكان الرهان بالطبع على القبيلة و"القبيلة البربرية" بالتحديد ( 45).
في هذا الإطار إذن، ينبغي أن نفهم سر اهتمام هؤلاء "بالمسألة البربرية"؛ ولا مندوحة هنا عن العودة إلى (روبير مونطاني) في أطروحته حول "البرابرة والمخزن" ( 46)، لتأكيد هذه المسألة.
باختصار شديد، يرى (R.Montagne) بأن النظام السياسي المغربي، وإلى حدود الدخول الفرنسي، قد مر بأربعة مراحل أساسية يصنفها كالآتي: (مرحلة الحكم الجمهوري الأوليغارشي والديمقراطي؛ مرحلة حكم الشيوخ أو ال"إمغارن"؛ مرحلة حكم القواد الكبار أو ما يعرف بسادة الأطلس وأخيرا مرحلة حكم المخزن).
إلا أن الملفت للانتباه هنا، هو أن (ر.مونطاني) يرصد تطور هذه الأنظمة السياسية في إطار حركة تراجعية. والتراجع هنا هو تراجع في الأصل عن مبدأي الديمقراطية والعدالة، لصالح مبدأي الهيمنة والاستبداد، مع ما يوازي ذلك طبعا من تراجعات على مستوى "حضارة القبيلة" بالمغرب؛ والتي بدأت تدريجيا تفتقد أصالتها واستقلاليتها بضرب عمقها الجمهوري وروحها الديمقراطية: (الجمهوريات البربرية).
هكذا إذن، ووفق هذا المنطق التراجعي العنيف، تعتبر المرحلة الأخيرة (مرحلة حكم المخزن) هي التجسيد الفعلي لسيادة نظام استبدادي في جوهره. وليس عبثا هنا أن نجد (ر.مونطاني) يصر على الربط بين هذه المرحلة، وبين واقع افتقاد القبائل البربرية لاستقلالها السياسي، الذي كانت تضمنه لها مؤسساتها السياسية ذات الطبيعة الديمقراطية الجمهورية؛ وكأن لسان حال (ر.مونطاني) يريد أن يقول: بأن هذه القبائل البربرية أصبحت في حاجة إلى التدخل الفرنسي لحمايتها ودعم استقلالها إزاء هذا "المخزن العربي المتسلط"(47).
لعل نفس الطموح كان قد راود باحثا آخر من قبله، الأمر يتعلق طبعا برائد البحث الإثنوغرافي الفرنسي، وأحد أهم مبدعي سياسة "البعثة العلمية" و"السياسة الأهلية" بالمغرب: (إدموند ميشو بيلير) E.Michaux.Bellaire. فقد سعى هذا الأخير إلى تقسيم مجالات البحث السوسيولوجي بالمغرب إلى ثلاثة حقول: فمن جهة، هناك (السوسيولوجيا الإسلامية) أو "المسلمة"، والتي ينحصر مجال اهتمامها في دراسة مظاهر الإسلام الرسمي والسني. ومن جهة ثانية هناك (سوسيولوجيا المخزن)، التي تركز اهتمامها بالمدن وبعض المناطق المحيطة التي تدخل ضمن دائرة نفوذ الشرع والمخزن. غير أن (السوسيولوجيا المغربية) تمثل، في اعتقاده، أهم هذه الحقول وأغناها على الإطلاق، وذلك بالنظر إلى ما يمكن أن تقدمه من معطيات وتفاصيل حول واقع المغرب العميق والحقيقي؛ مغرب القبائل البربرية المتشبثة بمؤسساتها، أعرافها، تقاليدها ومعتقداتها الماقبل إسلامية: أي كل ما يصون هويتها ضد أي اختراق عربي إسلامي ممثلا في المخزن.(48)
باختصار، هذا هو التصور الذي كانت تتمحور حوله الأطروحة الكولونيالية فيما يتعلق بالإستراتيجية الأولى: (الإستراتيجية البربرية)، حيث كان رهان الفرنسيين هو ضرب الوحدة الوطنية والدينية للمغرب من خلال تفجير "اللغم الإثني"؛ وذلك عن طريق إثارة ما يسمى بـ (المسألة البربرية). وفي هذا السياق، فقد ذكر (L.Massignon) بأن هذه المسألة بالذات Le berbérisme قد شكلت بالنسبة إليه هاجسا علميا وواجبا دينيا منذ (1909) ، وأن الراهب (شارل دوفوكو) هو الذي أقنعه بأن يكرس لها حياته، قصد إزالة اللغة العربية والدين الإسلامي وإحلال اللغة الفرنسية والمسيحية محلهما (48). لكن – وكما هو معلوم – فإن رهان فرنسا هذا لم يتحقق على أرض الواقع، وذلك بسبب المقاومة الباسلة التي أبدتها القبائل المغربية (البربرية منها والعربية) للاستعمار. وقد كان لتنظيم الزوايا الدور الكبير في تأطير حركة المقاومة هاته، الشيء الذي سيجعلها (الزوايا) في مقدمة اهتمام الكولونياليين في إطار إستراتيجيتهم الثانية. فماذا عن هذه الإستراتيجية إذن؟
.3.2 الإستراتيجية الثانية، أو الرهان على قطب المخزن .
في الواقع، لم يكن الفرنسيون يتوقعون كل ذلك (الجفاء) وهذا (التنكر) من قبل (أبناء عمومتهم) المزعومين. وهكذا، وبين عشية وضحاها، سيتحول ذلك "البربري" الذي كان بالأمس القريب (طيبا) و(متسامحا) في تصور الخطاب الكولونيالي، إلى كائن مجبول على (الشر) و(الفوضى)، بل أكثر من ذلك، سيجتهد الفكر الكولونيالي في تلبيسه كل الصفات المذمومة التي كانت من قبل قد أطلقت على نقيضه التاريخي (المخزن العربي). وبناءا عليه، فقد أصبح (البربري) يستمد هويته الحقيقية من "بربريته" و"توحشه" sa barbarie، لتنتفي بذلك كل صفات (التحضر) و(الديمقراطية) وغيرها من السمات المميزة للجنس الآري، والتي حاول الفرنسيون من خلالها احتواءه لتمرير مخططهم الاستعماري من قبل.
لقد أصبحنا إذن، أمام استراتيجية لقلب الأدوار، فمن كان في حاجة إلى حماية الفرنسيين بالأمس، أصبح هو نفسه مصدر خطر وتشويش على "مغتصبيه"، وهكذا سيتحول (الضحية) إلى (جلاد) في منطق الطرح الكولونيالي؛ كما سيتحول عدو الأمس (المخزن) إلى صديق حميم للفرنسيين تحق مساعدته. في هذا الإطار بالذات، سيتم عرض "الحماية" الفرنسية على المخزن، الذي أصبح عاجزا لوحده عن مواجهة خطر "القبائل البربرية السائبة" التي كانت تؤطرها الزوايا. وبخصوص هذه الأخيرة، وكما سبق وأشرنا إلى ذلك من قبل، يمكن الرجوع إلى ما يعرف بأطروحة "الزاوية البربرية"، التي طورها بعض الكولونياليين، للوقوف على خطورة هذا النمط من التنظيمات الذي شكل القوة السياسية والعسكرية الأخطر على سلطة السلطان؛ بل هي التي كانت تشجع القبائل على العصيان وتتحول إلى عواصم لدويلات صغيرة (49). وفي نفس الإطار أيضا، وللتهويل من خطر الزوايا على السلطة المركزية، سيعمد البعض إلى تطوير ما يسمى بأطروحة "الزاوية الإمارة"، والتي سيتم بموجبها اعتبار الزاوية بالمغرب قد شكلت "مقاطعة" أو "إمارة مستقلة" على شاكلة ما كان سائدا بأوروبا العصر الوسيط. وتمثل دراسة (ميشو بيلير) حول الزاوية الوزانية المنطلق لهذه الأطروحة، والتي على أساسها سيصوغ (شارل دو فوكو) أطروحته الشهيرة حول الزوايا الخمس الكبرى بالمغرب: (الوزانية، الشرقاوية، الناصرية، مداغرة وتازروالت)، حيث شكلت في اعتقاده نموذجا لتلك المقاطعات أو الإمارات الفيودالية (les principautés) التي سادت بأوروبا العصر الوسيط (50). ولنا أن نتصور إذن، وفق هذه الأطروحة وسابقاتها، الوضع السياسي بالمغرب كوضع يحبل بالتمزق والتشتت؛ فبأي حق يمكننا الحديث إذن- والحال هذه- عن "سلطة مركزية" والمغرب تتقاسمه قوى سياسية ودينية متنافسة ومتصارعة: (دويلات بربرية، إمارات دينية وأحلاف قبلية مدمرة)؟ وفي قلب كل هذا، تبقى الزوايا هي المحرض والمؤطر، في غالب الأحيان، لكل أشكال التمرد والانفصال القبليين.
لقد كان هناك تحالف قوي بين الزوايا والقبائل "السائبة"، وهو تحالف كان يتعزز أكثر كلما تعلق الأمر بمسألة استخلاص الضرائب والواجبات المخزنية الأخرى، التي كانت مرفوضة أصلا (51). وهكذا – وكما يذهب (ج.دراك) – فقد شكل الجبل دائما موطنا للبربر المتمردين و"معقلا حصينا للزعماء الدينيين المستقلين" (52)، ومن هنا أصل ذلك الإرتباط العضوي بين واقع "السيبا" وظهور وتطور الزوايا بالمغرب، فكلاهما يدعم الآخر ويقويه.
كان هناك حرص كبير إذن، على تقديم صورة قاتمة لمغرب تتقاسمه قوتان سياسيتان متصارعتان، الأولى ممثلة في "المخزن" أو ما يعرف بالسلطة المركزية، والتي لا تملك من ذلك إلا الإسم، والثانية هي ما كانت تمثله "الزوايا" كقوة سياسية "محلية" وأحيانا "جهوية" كانت تطمح نحو "المركزية". وفي ظل هذا الوضع، كان المخزن عاجزا عن بسط نفوذه السياسي على كامل التراب، بحيث ظل هاجسه الأكبر هو إخضاع القبائل السائبة التي كانت – من دون شك – مؤطرة سياسيا وعسكريا من طرف الزوايا. وفي سياق هذا الطرح إذن، تبدو مسألة المجابهة والصدام بين المخزن والزوايا مسألة حتمية، لأن القضاء على وضع السيبا يظل مرهونا بالقضاء على الزوايا والعكس صحيح. وهنا بالذات سيجد الفرنسيون فرصتهم المناسبة للتدخل المباشر، وتحت غطاء "شرعي"، وذلك بحجة حماية هذا المخزن وشد عضده لاستكمال سيادته التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من خطر (القبائل البربرية السائبة وزواياها).
من هذا المنطلق إذن، فإن دور فرنسا قد تحدد في مهمة ضرب البنية التحتية لوجود الزوايا وتقويض أسس قوتها السياسية وتجذرها الاجتماعي، ولم يتم ذلك إلا حين وضع الفرنسيون حدا للسيبا خلال الثلاثينيات؛ وبذلك اختفت القاعدة التي كان يقوم عليها نفوذ الزوايا" (53).
بانتفاء حالة السيبا هذه، ستفقد الزوايا ذلك "الأساس الاجتماعي الرئيسي لوجودها" (54)، مما سيؤدي بها إلى الاضمحلال. وهكذا سيكون المخزن - وبمساعدة الفرنسيين- قد تخلص من أكبر قوة سياسية منافسة، فهل ضمن بذلك حقا سيادته على كامل تراب السلطنة – كما كان يطمح – أم أنه قد عرض البلاد لاستعمار حقيقي، حيث لا سيادة فيه إلا لما يسمى بـ "سلطة الحماية"؟ في واقع الأمر، هذا ما حدث بالضبط، ولنا أن نرجع إلى تجربة المغرب في ظل السيطرة الاستعمارية الفرنسية، للوقوف مليا على دقائق وتفاصيل اللعبة (55).
إذا كان الفرنسيون إذن، قد فشلوا في محاولة استدراج "البربر" والقبائل لصالح سياستهم الاستعمارية، كما رأينا من قبل، فهاهم قد نجحوا في ذلك مع المخزن، في إطار ما يعرف بـ"معاهدة الحماية" التي سيتم توقيعها في 1912م (56). وهكذا، فإن هذه السنة (1912) تؤرخ بالفعل لذلك التحول الجذري في سياسة فرنسا التوسعية، حيث أصبح وجود "ليوطي" كمقيم عام بالمغرب، هو من أجل "تثبيت نفوذ المخزن" ودعم السلطان و"حمايته" من "البربر" أصدقاء الأمس (57)؛ لكن سرعان ما سينكشف الوجه الحقيقي لهذا الوجود- كوجود استعماري بالأساس – وهذا ما ستبرزه تناقضات ما يسمى بسياسة "الحماية". "لقد دخلت فرنسا إلى المغرب مبدئيا لحماية سيادة السلطان، لكن سرعان ما جردت إدارة الحماية المخزن من كل سلطة أو حكم حقيقي، ولم تترك له إلا بعض المهام التافهة"(58). وفي سعيها نحو استكمال هيمنتها على البلاد، ستعمد فرنسا إلى اتباع سياسة براغماتية وذكية، يمكن تأطيرها هنا ضمن الشعار الميكيافلي: "الغاية تبرر الوسيلة".
في هذا السياق طبعا، لا نستغرب عودة الفرنسيين – ومن جديد – إلى لعب ورقة (البربر) أو ما يسمى بالسياسة البربرية. وهكذا، فقد استغل (ليوطي) ضعف السلطان وشروط (معاهدة الحماية)، ليصدر ظهيرا في 11 شتنبر 1914 يقضي بأن تتم إدارة وتسيير شؤون القبائل البربرية وفق قوانينها وأعرافها الخاصة، وذلك تحت مراقبة السلطات الفرنسية (60). وفي هذا الإطار، كان الماريشال ليوطي يصدر أوامره إلى مسؤولي وضباط قسم الشؤون الأهلية والاستعلامات "بعدم استعمال اللغة العربية، لأنها وسيلة لنشر الإسلام (...)؛ ولأن مصلحة فرنسا تقتضي تطوير "البرابرة" خارج دائرة الإسلام" (61). كما كان يرى أنه: "من الواجب أن يترك "البرابرة" لهجاتهم المحلية ويعوضوها رأسا باللغة الفرنسية؛ ويقترح لذلك وسائل، منها فتح مدارس تدرس فيها الفرنسية واللهجات البربرية ويحرم فيها حفظ القرآن وتعليم اللغة العربية (62).
لقد كانت النتيجة التي أثمرت عنها هذه الجهود والإعدادات، هي ما تجسد في الظهير الاستعماري الذي أصبح يعرف بـ"الظهير البربري"، والذي يقضي بالفصل التام بين "العرب" و"البربر. فكما هو معروف، فإن هذا الظهير الذي تم إصداره في 1930- (وهو نفس التاريخ الذي صدرت فيه أطروحة روبير مونطاني حول "البرابرة والمخزن") - "لم يكن (في الواقع) إلا تأكيدا رسميا لسياسة طبقت منذ بداية الاحتلال"(63).
كانت هذه إذن، وبإيجاز، أهم عناصر السياسة الاستعمارية الفرنسية، التي وجدت في الأطروحة الكولونيالية قاعدة نظرية وإيديولوجية لدعم مسلماتها وتبرير أهدافها الإمبريالية. فماذا إذن عن الأطروحة الوطنية التي جاءت كمحاولة لنقدها وتجاوزها؟ وكيف كان تصور هذه الأخيرة لطبيعة العلاقة بين الزوايا والمخزن؟
4- الأطروحة الوطنية:
إذا كانت الأطروحة الكولونيالية – كما رأينا – تسعى إلى تأكيد المسلمة التالية: وهي أن تاريخ المغرب هو تاريخ الصراع بين "الزوايا" و"المخزن"، كتجسيد لصراع أعم وأشمل هو صراع "القبيلة" ضد "الدولة"؛ فإن الأطروحة الوطنية التي جاءت كنقد لها، ستعمل على إثبات العكس والذهاب إلى اعتبار "الزوايا" مجرد أداة في يد المخزن أو "السلطة المركزية". بل أبعد من ذلك، فوجود الزوايا يبقى رهينا بوجود المخزن؛ وهو الذي يمنحها شروط الوجود والتجدر والاستمرارية(64). وفي هذا الإطار، فقد اجتهد الباحثون الوطنيون – ومعظمهم من المؤرخين – وعلى رأسهم الأستاذ عبد الله العروي، في تأكيد ذلك من خلال إعادة قراءة لتاريخ العلاقة بين السلطة المركزية (المخزن) والمجتمع بالمغرب الما قبل كولونيالي(65).
لقد كان الهدف من وراء ذلك واضحا بالطبع، وهو محاولة إثبات مسلمة حضور الدولة، بما يعنيه ذلك من سيادة كاملة على التراب ومن اندماج ديني، اقتصادي وسياسي لقبائل المغرب ومدنه في إطار "نظام السلطنة"؛ وإن كان هذا لا ينفي وجود بعض الاستثناءات العارضة. وفي سياق هذا التصور أيضا، تصبح الزوايا جزءا لا يتجزأ من النسق الإيديولوجي والسياسي لهذا النظام(66).
على هذا الأساس إذن، وانطلاقا من مسلمة حضور الدولة – التي حاول الخطاب الكولونيالي النيل منها وتفنيدها- سيعمد الأستاذ (عبد الله العروي) إلى إعادة النظر في العديد من القضايا والمفاهيم التي لها علاقة بالموضوع، من قبيل مفاهيم (المخزن، السيبا، القبيلة، الزاوية) وغيرها من المفاهيم التي ينبغي أن تصحح. وفيما يلي سنقوم هنا بإعطاء فكرة عامة وموجزة حول ذلك، مع الاكتفاء طبعا بالإحالة على دراستين للأستاذ عبد الله العروي، نراهما تحيطان بشكل شامل بأهم قضايا ومفاهيم وتصورات الأطروحة الوطنية في هذا الإطار (67).
فبعد تساؤله حول مدى مشروعية الحديث عن حضور (الدولة) و(المجتمع) بالمغرب، يخلص العروي إلى أن هذا الحضور يؤكد نفسه، كما أن التركيز على المفهومين في التحليل، هو ضرورة تقتضيها منا مسألة إلغاء فكرة "غبار القبائل المستقلة" والسائبة – كما نشرته الكتابات الكولونيالية وألصقته بواقع مغاير لما قيل وما كتب عنه (68). وفي هذا الإطار، يقترح العروي تعريفا للمخزن يراه مختلفا تماما عن التعاريف التي أعطيت له من قبل، خاصة من طرف الكولونياليين؛ حيث ظل المفهوم محصورا – في إطار النظريات السوسيولوجية الكلونيالية – من داخل تعاريف ضيقة تطبعها الاختزالية والاقتصار على خصائص دون أخرى. على هذا الأساس إذن، وبرغم المعاني المتعددة التي اتخذها المفهوم (المخزن)، فإنه يمكن التمييز بين معنيين: المعنى الواسع للكلمة، الذي يبدو من خلاله المخزن كحضور وتجدر في كل المجتمع، وذلك بالاعتماد على قوى محلية مرتبطة بالمركز: (الزوايا، الشرفاء، الأعيان والخاصة، قبائل الكيش...)، ومعنى ضيق يكاد ينحصر في: (الجهاز البيروقراطي للحكم، الجيش، الإداريون وكل من يتقاضى أجرة من بيت المال).
وإذا كان من أبرز ممثلي هذا المعنى الضيق لمفهوم المخزن – حسب العروي – هم المستشرقون والباحثون الكولونياليون: (ليفي بروفنصال، لويس ماسينيون) وغيرهم ممن حاولوا تأكيد معادلة (المخزن يساوي دولة المدن)- كما دافع عنها الأنثروبولوجيون الإنقساميون أيضا (69)- فإن الفهم العلمي يقتضي الأخذ بالمفهوم الواسع للكلمة. لعل هذا ما يمثله العروي وغيره من الباحثين الوطنيين بالطبع، ولندرج هنا هذا التعريف الذي يقترحه الباحث كرد على الكولونياليين والانقساميين على حد سواء :"فالمخزن بمعناه الواسع يتميز بخاصية أساسية تعطيه معناه ودلالته، فهو مؤسلم، عربي أو معرب، يفرض نفسه على القبائل وباقي المناطق غير الخاضعة بطريقة مؤكدة، مستندا في ذلك على القوى المحلية بما فيها "الزوايا" و"الشرفاء" (70).
وهكذا، تبدو معارضة هذه القوى المحلية – (وإن كانت) – نسبية ومحدودة، مادامت كمؤسسات محلية أو جهوية لها مكانها داخل المخزن؛ ولعل هذا ما تؤكده على الأقل: ظهائر التوقير والاحترام والهدايا المقدمة لهم من طرف هذا المخزن(71).
هكذا إذن يتحدد الدور الحقيقي للزوايا، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من نظام أعم وأشمل هو ما يمثله المخزن؛ وهنا بالذات ينبغي أن تفهم العلاقة بين ما هو محلي وما هو مركزي (السلطة المركزية) في نشاط الزوايا. فحسب الأستاذ العروي، فإنه وعلى الرغم من أن الزاوية هي المعبر عن مصالح المجتمع الذي تنشط في إطاره – بدفاعها عن المصالح الجهوية والمحلية ضد المخزن – فإنها، وبحكم تواجدها أيضا داخل هذا المجتمع، تسعى دائما إلى تقليص هذه الاستقلالية الذاتية (المحلية) وتجاوزها إلى مستوى ما فوق محلي، وهذا ما تمثله فعلا طبيعة علاقة الزوايا بالمخزن كتجسيد لتبعية "المحلي" لـ"المركزي"؛ حين تصبح هذه الزوايا كتمثيل للمخزن على مستوى محلي (72). وفق هذا التصور إذن، يجب التمييز جيدا بين الدور الاجتماعي والدور السياسي للزوايا. وهكذا، فإن الدور الاجتماعي للشريف (شيخ الزاوية) – حسب العروي – يبقى حاضرا باستمرار، وفي أي مكان يوجد فيه هذا الشيخ الشريف: في المدن وتحت سلطة السلطان المباشرة، أو حتى في المناطق القروية البعيدة عن السلطة المركزية؛ وهذا الدور يشجع عليه السلطان نفسه ويسنده لأنه يطمح دائما إلى استثماره لخدمة سياسته.
لكن، وعكس ذلك تماما، فإن الدور السياسي للشريف لا يوجد إلا إذا كان هذا الأخير – ولظروف تاريخية محددة – يتمتع بسلطة محلية ما، وبهذا يكون مرتكزا على الزاوية ويعمل من داخلها. ولعل هذا حال "الوزانيين" منذ القرن 17م، و"العمرانيين" في الأطلس المتوسط و"الكتانيين" في محاولاتهم مع أواخر القرن 19م. لكن وفي غياب قاعدة محلية، فإن الشرفاء لا يملكون سلطة سياسية إلا ما فوضه إياهم وأوكله لهم "كبير الشرفاء"، أي السلطان العلوي(73)؛ وهنا بالذات يتحدد الدور الحقيقي للزوايا والشرفاء، كدور يظل "مرتبطا بكل النسق الإيديولوجي للسلطنة"(74).
باختصار شديد، هذا هو موقف الطرح الوطني إذن، وهذا هو تصوره لعلاقة الزوايا بالمخزن، وهي علاقة ظلت تتأطر ضمن مفهوم أعم وأشمل هو ما تختزله (علاقة الدولة بالمجتمع) كما شهدها مغرب ما قبل المرحلة الكولونيالية. وقد كان هم هؤلاء متمركزا بالأساس حول ضرورة تفنيد مزاعم الطرح الكولونيالي، بما يتأسس عليه هذا الطرح من مسلمات، ليس أقلها: (مسلمة غياب الدولة بالمغرب الما قبل كولونيالي).
بطبيعة الحال، فنحن وإن كنا نتفق مع هذه الأطروحة – باعتبارها جاءت كنقد وتجاوز لمسلمات ذلك الطرح وتخريجاته الإيديولوجية المغرضة، فهذا لا يعني أننا نشاطر أصحابها نفس التصور الذي يحكم رؤيتهم وطريقة معالجتهم لطبيعة العلاقة بين "الزوايا" و"المخزن"، كما لا نتفق مع التعريف الذي يعطيه هؤلاء بالذات لمفهوم (الزاوية). وربما قد نكون هنا على صواب، إذا قلنا بأن موضوع الزوايا كان من أكثر الموضوعات التي تعرضت لتعسف الباحثين (كولونياليين ووطنين) على حد سواء، ولعل مصدر التعسف هذا قد يكمن – حسب تقديرنا – في الطريقة التي عولج بها الموضوع. إذ لم تدرس الزوايا في حد ذاتها كتنظيم قائم بذاته، ولم يتم كذلك البحث في تركيبة هذا التنظيم ومحيطه، أي في إطار علاقاته -كنسق- بالمجتمع الذي أفرزه وتفاعل معه أيضا؛ وكأن المجتمع هنا لا يعني شيئا بالنسبة لهؤلاء.
لقد غاب التحليل السوسيولوجي إذن، لإحدى أهم التنظيمات الدينية والسياسية – كما عرفها المجتمع المغربي منذ القرن 16م - ليترك المجال واسعا أمام اشتغال الإيديولوجيا، إذ لم تكن الإجابة عن سؤال: (ما علاقة الزوايا بالمخزن؟) – الذي أطر كلا من الطرحين – تقتضي أكثر من تأكيد لإحدى المسلمتين التاليتين: (مسلمة غياب الدولة) بالنسبة للطرح الكولونيالي و(مسلمة حضور الدولة)، بالنسبة للطرح الوطني. وبين هذا الطرح وذاك، ظل موضوع الزوايا – (ذلك الحاضر الغائب) – مجرد رقم في معادلة إيديولوجية بالأساس: فإذا كانت "الإيديولوجية الاستعمارية" قد رأت فيه ذلك الرقم الصعب الذي أربك حسابات المخزن وطموحاته في تثبيت أركان دولة حقيقية، تسندها سلطة مركزية قوية: (أطروحة الصراع بين الزوايا والمخزن)، فإن "الإيديولوجية الوطنية" ستسعى إلى عكس الصورة وقلب الأدوار، خاصة وأنها ستجعل من "الزاوية" مجرد رقم – (وأي رقم) – في معادلة "الدولة المخزنية" (أطروحة إخضاع الزوايا).
لنبتعد قليلا عن لغة الأرقام والحسابات الإديو-سياسية، ونحاول حل المعادلة/الإشكالية هنا (هندسيا)؛ وذلك على ضوء: " فرضية المجال وهندسة السلطة ". كيف ذلك؟
5- المجال وهندسة السلطة، نحو فهم جديد لعلاقة الزوايا بالمخزن.
في الواقع، إن طبيعة العلاقة بين الزوايا والمخزن، (وفي أبعادها البنيوية وعمقها السوسيو-تاريخي)، تظل أعقد مما تصوره هؤلاء، وأبعد من أن تختزل في إطار إحدى المقولتين/النمطين: (صراع) أو (إخضاع). إن وضع الزوايا في إطار هذه العلاقة، بالأحرى، يظل وضعا معقدا ؛ بحيث لا يمكن استيعابه وتأطيره إلا وفق تصور جدلي يفترض "الصراع" كما يفترض "الخضوع" والتعاون. لعل هذا ما يمكن توضيحه وتأكيده أيضا، في ضوء فرضية المجال وهندسة السلطة، كمحاولة منا لمقاربة واحدة من أهم الأبعاد المؤسسة لعلاقة الدولة بالمجتمع في سياق مغرب ما قبل الاستعمار.
إن بحثنا لهذه العلاقة إذن، يقودنا إلى اقتراح تصور بديل عن النمطين "الكولونيالي" و "الوطني" على حد سواء؛ ويمكن توضيح ذلك كالآتي:
- النمط الكولونيالي: باختصار شديد، يمكن تلخيص النموذج الذي بنى على أساسه الكولونياليون تصورهم، أو بالأحرى هندستهم لعلاقة الزوايا بالمخزن فيما يلي: فهو يقوم على أساس تقسيم المجال السياسي المغربي (هندسيا)، وذلك عبر خطين منفصلين؛ فمن جهة هناك (خط القبيلةLa tribu ( وتسوده سلطة الزاوية (الشيخ الشريف)، وفي الجهة المقابلة يرتسم (خط الدولة) L’état حيث السيادة لسلطة المخزن (السلطان الشريف). ويصر هؤلاء على أن هناك حدودا قارة وثابتة تفصل بين الخطين، مما يكرس وضع "الانفصال" و "القطيعة" بين مجالي القبيلة والدولة؛ كما أن الشكل الوحيد الذي يسمح بالالتقاء بين المجالين (الخطين) هو التصادم أو الحرب، حين يجد المخزن نفسه مضطرا لشن حملات تأديبية ضد القبائل "السائبة" وزواياها: (الحركة والمحلة).
- النمط الوطني: أما بخصوص النموذج الوطني فنجده يكرس – بهذا الخصوص - هندسة مجالية نقيضة، تتأسس على مفهوم "الاتصال" بدل "الانفصال". وعلى هذا الأساس يأتي تصور المجال السياسي المغربي كخط متصل يمتد من الدولة إلى القبيلة، مع ما يعنيه ذلك (سياسيا) من اندماج وانسجام تامين بين مكونات هذا المجال. أما بخصوص سلطة الزوايا هنا، فهي لا تعدو أن تكون سوى مجرد امتداد أو تمثيل لسلطة المخزن على مستوى محلي لا غير.
- التصور البديل: (محاولة لإعادة تعريف مفهوم الزاوية)
لقد حاول كل من الكولونياليين والوطنيين، وعلى حد سواء، تقديم رؤية ثابتة حول واقع يتسم بالدينامية والتغير. ولعل وضعهم هنا ظل أشبه ما يكون بمحاولة تثبيت "الزئبق" وفق حالة وشكل قارين، مع أن طبيعة هذا الأخير وتركيبته لا تسمحان بذلك البتة. من هذا المنطلق يأتي تصورنا لمفهوم الزاوية أولا، ولطبيعة علاقتها بالمخزن؛ والتي لا يمكن فهمها وتأطيرها سوسيولوجيا إلا بالرجوع إلى طرح علاقتها كتنظيم ديني/سياسي، بالمجال القبلي الذي كانت تنشط فيه وتؤطره..وفيما يلي سوف نحاول تقديم فكرة عامة حول تصورنا هذا، مستندين في ذلك إلى بعض خلاصات ونتائج البحث السوسيولوجي الذي قمنا بإنجازه حول تنظيم الزوايا؛ وعلاقته بكل من المجتمع والدولة في مغرب ما قبل "الحماية"(75).
من بين المسلمات التي نعتبرها كمنطلق نرتكز عليه في إطار مقاربتنا لموضوع الزوايا بالمغرب، هي اعتبار الزاوية تنظيما Organisation قائما بذاته، له بناؤه الخاص به وعقلانيته الخاصة أيضا. وعلى هذا الأساس يمكن تقديم مفهوم آخر للزاوية، غير المفهوم المتعارف عليه في الكتابات التاريخية والأسطوغرافية. بل وحتى من داخل بعض الكتابات الإثنوغرافية والإثنولوجية الفرنسية والأنجلوسكسونية.
لقد أفرز التصوف الإسلامي بالمغرب، وعلاوة على بعده الروحي كمظهر لتجربة دينية، أنماطا من الممارسة والفعل السوسيو-تاريخيين؛ وذلك منذ تجربة الحكم المرابطي (القرن11م) وحتى صعود الدولة الشرفاوية (القرن16م). وإذا حاولنا تحديد هذه الأنماط والأشكال السوسيو-تاريخية التي تبلورت في إطارها، أمكننا الوقوف على ثلاث تنظيمات أساسية:
- الرباط: ( وفي إطاره يندرج الصلحاء والمرابطون ).
- الطريقة: ( وفي إطارها يمكن الحديث عن الطائفة والزاوية أيضا ).
- الزاوية : ( باعتبارها التجسيد التاريخي/الميداني لذلك الدمج أو بالأحرى التركيب الجدلي للأشكال السابقة ) (76).
إن الزاوية إذن، ومن هذا المنظور، تعتبر كأرقى أشكال الممارسة والتنظيم التي أفرزها الحقل الصوفي بالمغرب؛ من حيث هي تتويج تاريخي لصيرورة هذا الأخير، وامتداداته التاريخية إلى مستوى حقول الفعل والاشتغال الأخرى غير الحقل الديني. إنها ذلك التنظيم الصوفي الذي أخذ لنفسه خصائص وسمات التنظيم الاجتماعي والسياسي المتجذر منذ (القرن16م). لقد عرف المغرب في هذه الفترة العصيبة من تاريخه بالذات، ظروفا سياسية واقتصادية واجتماعية وسمت المرحلة بكاملها بطابع الأزمة واللااستقرار. ومما زاد من حدة هذه الأزمة واستفحالها، وفتح بالتالي أمام الزوايا مجالات أوسع للفعل والتأثير، " تكالب الاحتلال الأجنبي على المغرب، وضعف السلطة المركزية في ضمان الأمن الداخلي "(77). لقد كان ذلك إذن، بمثابة إيذان باكتساح تنظيم الزوايا لبنية المجتمع المغربي، وتغلغل هذا التنظيم من داخل مجالات أوسع وعبر سياقات تاريخية مختلفة. لعل هذا ما يتأكد بالفعل، من خلال تعدد وتداخل أدوار الزوايا ووظائفها المختلفة: (الدينية، الاجتماعية، العلمية، الاقتصادية، العسكرية والسياسية).
في الواقع، لقد ارتبط وجود الزوايا ونشاطها أيضا، ومنذ القرن السادس عشر (ق.16م)، بالمجال القبلي. وربما هذا ما يمكن تفسيره سوسيولوجيا، بالفراغ الديني والسياسي الذي كانت تعيشه البادية المغربية بشكل عام، خلال هذه المرحلة. علاوة على ذلك، فإنه لا يمكن تصور وجود زاوية من دون قاعدة اجتماعية عريضة، وأساس اقتصادي تستند عليهما في بناء ذاتها كتنظيم. لعل هذا ما كانت توفره القبيلة، كوحدة اجتماعية/اقتصادية، وكمجال لنشاط يمتد من الرمزي إلى الزمني ومن القدسي إلى السياسي. غير أن ذلك لم يكن يعني البتة، عدم وجود قوى أخرى منافسة من داخل نفس المجال.
لعل هذه واحدة من أهم الخلاصات التي انتهينا إليها، وذلك من خلال مقاربة سوسيو-تاريخية لعلاقة السلطة بالمجتمع في مغرب ما قبل المرحلة الكولونيالية.. فقد شكلت القبيلة بالمغرب، ومنذ القرن 16م، مجال نفوذ مشترك بين قوى سياسية ثلاث:
- فمن جهة هناك سلطة الزاوية كسلطة محلية، ويمثلها "الشريف" شيخ الزاوية.
- ومن جهة ثانية هناك سلطة العامل أو "القائد المخزني"، كممثل للسلطة المركزية على مستوى محلي.
- هذا دون أن ننسى، بالطبع، سلطة المجالس القبلية "الجماعات" ممثلة في شخص ال (أمغار) أو شيخ القبيلة.
على هذا الأساس إذن، كان لابد من التعريف أولا بمجتمع القبيلة، وبالتالي تقديم نموذج للبناء الاجتماعي والسياسي لهذه القبيلة؛ وكيف كانت هذه الأخيرة تدبر شأنها السياسي من داخل وفي إطار تجربة "المجالس القبلية". لقد كان هدفنا هو الوقوف على كيفية اشتغال السلطة من داخل هذه المجالس، وبالتالي رصد ميكانيزماتها وقنوات تسريبها. وهنا بالذات كان ينبغي الوقوف عند نموذج ال (أمغار) أو شيخ القبيلة، باعتباره يجسد السلطة العليا من داخل هذه المجالس. وفي هذا الإطار كان سؤالنا يتركز بالأساس، حول مدى فعالية سلطة ال (أمغار) هذه، مما سيقودنا – (وعلى ضوء تجربة المجالس القبلية "الجماعات" بمجتمع الريف الأوسط) – إلى التأكد من حدود هذه السلطة، وأيضا عدم قدرتها على تأطير المجتمع القبلي خارجا عن إطار الدولة. فسلطة المجالس القبلية، وعلى أهميتها، تظل عاجزة عن ضمان الاستقرار والأمن اللازمين؛ بل غالبا ما كانت هي ذاتها تقف وراء العديد من النزاعات القبلية والحروب الأهلية التي طبعت مرحلة هامة من التاريخ الاجتماعي والسياسي بالريف. ويمكن أن نعطي المثال هنا بظاهرة "اللف"، كشكل من أشكال التحالفات الحربية: فعجز تلك المجالس عن حل نزاع ما على مستويات أدنى (الفرقة، الدوار أو القسمة القبلية)، كان يدفع منطقيا إلى تعميم حالة الحرب؛ بحيث يصبح الخيار الوحيد والمتاح وفق ذات المنطق القبلي هو ما تسمح به آليات "اللف" و "اللف المضاد". وهكذا تتوسع رقعة الحرب لتشمل القبيلة برمتها، أو مجموعة من القبائل.
لكن، إذا كان هذا هو وضع وحقيقة السلطة كما تفرزها وتمارسها المجالس القبلية، في إطار القانون العرفي (أزرف)؛ فهل هذا يعني أن البديل هو ما تمثله سلطة المخزن؟ هنا بالذات كان علينا مساءلة ذلك الحضور المخزني – (والذي لا ننفيه بالطبع) – من داخل المجتمع الريفي، كحضور ممثل في شخص (القائد، العامل، ناظر الأحباس والجابي). فإلى أي حد وكيف كان هذا الحضور فاعلا؟
لقد قادنا البحث في هذا الجانب أيضا، إلى تأكيد حقيقة العجز البنيوي والتاريخي للمخزن عن تأطير المجتمع بمفرده، ودون إشراك لباقي القوى المحلية الأخرى. بحيث ظل حضوره في شخص القائد والعامل (القصبة)، حضورا إسميا أكثر منه تأكيدا لوجود سلطة مركزية فعلية. وقد فسرنا كيف ساهم بدوره – وبشكل كبير – في تدعيم وضع "السيبا" أو ما يصطلح عليه محليا ب"الريفوبليك"، أكثر من مواجهته لذلك الوضع. ونعطي المثال على ذلك بالسياسات الضريبية المجحفة، التي ما فتئ ينهجها، على الأقل، منذ هزيمة (حرب تطوان 1860م)؛ وما كانت تقتضيه "معاهدة الصلح" من التزامات مالية ثقيلة كان على الدولة الوفاء بها لصالح الإسبان. لا يخفى إذن ما شكلته تلك السياسة الضريبية، في هذا الإطار، من استنزاف حقيقي للرعايا؛ ناهيك عن واجبات أخرى أثقلت بدورها كاهل القبائل، بما فيها واجب (الجندية، السخرة والمؤنة) وغيرها من لوازم الخدمة المخزنية، التي كانت تقتضيها مسألة تجهيز "الحركات المخزنية" الموجهة لقمع الانتفاضات والتمردات القبلية والحركات الانفصالية أيضا: (حركة بوحمارة) و (حركة الريسوني). وتتأكد مسؤولية المخزن كذلك عن هذا الوضع المتفجر، من خلال طبيعته البيروقراطية، والتي يعكسها بشكل جيد عجزه عن الاندماج من داخل بنيات هذه المجتمعات القبلية؛ ونهجه إزاءها سياسة قائمة في معظمها على كثير من القوة والعنف (الحركة والمحلة)، وقليل من السياسة والدبلوماسية.
يتأكد عجز المخزن إذن، ويتضح بأن سلطة "العامل" و"القائد المخزني" ليست بأحسن حال من سلطة ال"الأمغار"، وما بالك أن تمثل البديل عنها. وهنا بالذات يأتي دور الزاوية (كسلطة سياسية محلية) أكدت قوتها ونفوذها من داخل مجتمع القبيلة.
إن سلطة الزاوية إذن، وعلى مستوى محلي، تبدأ عند حدود سلطة (الأمغار) وعجز سلطة (القائد المخزني)؛ وهي بذلك الأقوى والأكثر تجدرا واندماجا. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فهي سلطة تختلف عن كليهما من حيث مرجعياتها وأسس مشروعيتها وطرق وأشكال تسريبها وممارستها. فسلطة "الشريف" (شيخ الزاوية) لا يستمدها من الأعراف القبلية، أو القانون العرفي (أزرف) – كما هو الشأن بالنسبة لشيخ القبيلة (أمغار) – حسبما يدعي الطرح الكولونيالي. وبالمقابل أيضا، فإن أساس سلطة "الشريف" ليس هو المخزن، أو (الظهير السلطاني) كما يزعم الطرح الوطني؛ إذ لم يكن شيخ الزاوية موظفا مخزنيا (عاملا أو قائدا)، وإلا لاستغنى به المخزن عن كليهما. صحيح أن شيخ الزاوية كان يحصل هو الآخر على (ظهائر التوقير والاحترام)، لكن ذلك لا ينبغي أن يذهب بنا إلى اعتبار (الظهير) هو مصدر سلطة هذا الأخير، وأساس شرعيتها ومشروعيتها. ينبغي التمييز إذن، وبشكل دقيق، بين سلطة ال(أمغار) وسلطة (القائد المخزني) وسلطة (الشريف)؛ فهذه الأخيرة لا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى الحقل الصوفي ذاته، كحقل ممارسة تاريخية؛ وما يكثفه هذا الأخير من مرجعيات ومن أنماط سوسيو-تاريخية يتقاطع من داخلها الديني بالميثولوجي والقدسي بالسياسي. وفي هذا الإطار، يأتي تمييزنا بين المرجعيات الثلاث التي شكلت بالنسبة لتنظيم الزاوية ذلك الأساس الإيديولوجي المتين، في بناء التنظيم وفي سيرورة تبلور وتطور ميكانيزمات السلطة من داخله. ونعني هنا بالطبع: المرجعية الصلحاوية (Maraboutisme)، والتي تمثل الأساس (الكرامي/الخوارقي) في بنية الزاوية؛ ثم المرجعية الطرقية (Confrérisme)، والتي تمثل الأساس (المذهبي/الإيديولوجي) من داخل نفس البنية؛ وأخيرا المرجعية الشرفاوية (Chérifisme)، باعتبارها تجسد ذلك الأساس (الجينيالوجي) في بناء الزاوية. ولا داعي إلى التأكيد هنا على القيمة المركزية التي تكتسيها رابطة الدم والنسب، أو (الجينيالوجيا) من داخل نسق القيم القبلية، والتي يحكمها ويوجهها في العمق منطق "العقل السلالي"، أو "الانقسامي"؛ خاصة إذا كانت هذه القرابة بنبي الأمة: (فالشريف بإعلان قرابته هذه بآل البيت، فهو يعلن عن "بركته" بما تعنيه من قدرات خارقة، ومن رموز إجلال وتقدير في تمثل الجمهور).
في صلب هذه المرجعيات الثلاث إذن، وارتباطا بإشكالية السلطة من داخل تنظيم الزاوية، حاولنا أن نقف على أصل الظاهرة وجوهرها (السلطة). وهنا بالذات تتأكد قيمة (البركة)، التي يمكن اعتبارها بمثابة "البنية التحتية" لهذه السلطة؛ كسلطة (روحية/رمزية) تكتسي مع الزمن طابعا (سياسيا) بحتا.
إن التحول من الروحي إلى الزمني ومن القداسة إلى السياسة، بخصوص نشاط واشتغال سلطة الشيخ/الشريف، هو تحول يبقى محكوما بمجموعة من العوامل والمحددات. ولعل هذا ما حاولنا أن نقرأه في ضوء سيرورة العلاقة بين الزاوية وكتلتها القبلية، كعلاقة هبة متبادلةLe : don et le contre don، كما صاغها الأنثروبولوجي الفرنسي (مارسيل موس). وقد قادنا التحليل في هذا الاتجاه إلى أن علاقة التبادل هذه، تكرس لمفهوم خاص من السلطة وتدعمها أكثر فأكثر: بحيث يصبح الإقرار ببركة الشيخ/الشريف هو اعتراف مسبق بسلطته، أو بالأحرى هيبته؛ وهذا ما أطرناه ضمن هذا العنوان العريض: (منطق الهبة وأسس الهيبة).
تأسيسا عليه، يمكن اعتبار نموذج العلاقة القائمة بين الزاوية والقبيلة، كعلاقة "هبة" و"هبة مضادة" بالطبع، هو نموذج يتأسس في جوهره على مفهوم خاص للخدمة؛ أقرب ما يكون إلى مفهوم (الخدمة المطلقة) التي يكرسها نموذج (الشيخ والمريد) من داخل أدبيات الممارسة الصوفية. فبمثل ما يخدم المريد شيخه ويسعى إلى إرضائه، من خلال سلوكات تكرس نحوه قمة الخضوع والطاعة والإذعان؛ نجد القبيلة تخدم زاويتها أيضا مكرسة إزاءها نفس السلوكات. وفي هذا الإطار، اعتبرنا بأن النموذج الثاني (زاوية/ قبيلة) هو بمثابة إعادة إنتاج موسعة لنموذج (شيخ/ مريد) على مستوى المجتمع؛ وهنا تأتي قيمة (البركة) التي توجد في أساس علاقة الخدمة تلك، بل هي الدينامو المحرك لها. ويمكننا تفسير كيف تترجم هذه البركة سوسيولوجيا – (في إطار علاقة الزاوية بمجالها القبلي) – من خلال وعبر أشكال من التدخلات تتراوح بين المعقول واللامعقول، الأفقي والعمودي، البسيط والمعقد...وهو ما تلخصه وظائف الزاوية المتعددة والمختلفة، والتي تأتي هنا كتفعيل لهذه البركة التي يمنحها الشريف لجماعته/مجتمعه. فهو يمنح: (العلم، الأمن، الرخاء، الاستقرار، الحماية وسبل الخلاص المادي والروحي)؛ وبالمقابل واعترافا ببركته هذه، تتحدد كافة أشكال الخدمة التي تقدمها القبيلة لزاويتها. فهي الأخرى تمنح: (الأرض، المال وقوة العمل)، بل أكثر من ذلك فهي تمنح عقلها لزاويتها، وهنا مكمن السيطرة من حيث أن أساس أية سلطة هو السيطرة على العقول.
إن أساس سلطة الزاوية إذن، تستمده من وضعها الروحي المتميز: (البركة كرأسمال رمزي لا ينضب)، ومن عمق وقوة ارتباطها وتلاحمها الجدلي بكتلتها القبلية. وهو ارتباط يبقى مرهونا بمدى استجابة الزاوية لمتطلبات وإكراهات الوسط القبلي الذي تنشط فيه وتؤطره. إذن، ليس المخزن هو من يقف وراء هذه السلطة ويدعمها (عن طريق الظهير)، وليست الأعراف القبلية (القانون العرفي) كذلك، بل إن سلطة الزاوية -(كسلطة سياسية محلية)– تحتفظ باستقلاليتها النسبية عن كليهما؛ رغم أنها تلعب هنا دور المحور (L’Axe) الذي يتقاطع عنده خط القبيلة بخط الدولة. وهذا لا ينفي بطبيعة الحال كون الزاوية تستغل وضعها هذا وعلاقاتها الملتبسة، كي تتوسع على حساب كل منهما: (القبيلة والمخزن)؛ مما يعكس في الأصل طبيعتها "الزئبقية" والبراغماتية كما أسلفنا.
تأسيسا على ذلك، وتأكيدا منا لتلك الطبيعة الزئبقية التي ميزت (بحق) سلوك الزوايا اتجاه المخزن، يأتي اقتراحنا لتصور بديل: فمن جهة، نحن لا نرى-(مع الكولونياليين)- بأن الزاوية تمثل خط القبيلة ضد خط الدولة؛ مما يفيد واقع (الانفصال) أو (القطيعة) بين المجالين. ومن جهة ثانية، فهي لا تمثل- (حسب زعم الوطنيين)- خط المخزن من داخل القبيلة؛ مما قد يفيد وضع (الاتصال). على العكس من ذلك تماما، فإننا نفترض بأن الزاوية تجسد وضع المحور L’axe الذي يتقاطع عنده الخطان؛ مع ما يعنيه ذلك طبعا من استقلالية نسبية لهذا المحور عن الخطوط التي تتقاطع عنده. لعل هذا ما يفترضه المفهوم (الرياضي/الهندسي) أيضا للزاوية L’angle، باعتبارها نتاج تقاطع خطين أو أكثر؛ فعلى الأقل لا يمكن تصور "زاوية" ضمن خط (منفصل) أو (متقطع)، كما لا يمكن تصورها أيضا ضمن خط (متصل). وهنا بالذات تتأكد القيمة الإجرائية لمفاهيم: (التواصل) بدل (الاتصال)، (التمفصل) بدل (الانفصال) و (التقاطع) بدل (القطيعة).
على ضوء هذه المفاهيم إذن، وما تكثفه من دلالات ومضامين سوسيولوجية، يأتي تصورنا لعلاقة الزوايا بالمخزن؛ بحيث شكلت في هذا الإطار – ومن موقع استقلاليتها النسبية طبعا – عنصرا أساسيا من عناصر التوازن السياسي، وأداة لعبت دور المحور في إحقاق ذلك التواصل المبحوث عنه بين مجالي (القبيلة) و(الدولة) بالمغرب الماقبل كولونيالي. كل ذلك في إطار علاقة جدلية معقدة، هي في نهاية التحليل جزء لا يتجزأ من جدلية الدولة والمجتمع في هذه المرحلة الحرجة من مراحل التاريخ السياسي المغربي.
خاتمة:
لقد كان هدف "مؤرخي وإيديولوجيي مرحلة ما بعد الاستعمار"(78)، هو إثبات وجود دولة قوية وحكم مركزي بمغرب القرن 19 وبداية القرن 20. وفي سبيل ذلك حاول هؤلاء – ومن خلال نقدهم لأطروحة الصراع و"التقابل" التي أقامتها الأدبيات الكولونيالية بين "بلاد السيبة" و"بلاد المخزن" – فرض تصور "منسجم" لعلاقة الدولة بالمجتمع، كعلاقة قائمة على مفاهيم "الطاعة" و"الخضوع" و"الدبلوماسية"، أكثر مما هي قائمة على العنف والاعتباطية في القرارات (79). وهذا التصور – بطبيعة الحال – لا يخلو من قصور ومن تبسيط ساذج (80)، مع ما يعنيه ذلك بالطبع من قفز على الوقائع والأحداث ومن تعامل انتقائي مع التاريخ (81).
لعل هذه خاصية مشتركة بين الطرحين "الكولونيالي" و"الوطني" على حد سواء، والانتقائية هنا تبقى سمة بارزة من سمات التعاطي الإيديولوجي مع التاريخ. إذ كيف يفسر هنا تركيز الطرح الأول على مفاهيم "الاستبداد" و"العنف المخزني" الموجه ضد القبائل والزوايا، ثم "السيبا" التي تلخص، حسب هؤلاء، كل التاريخ الاجتماعي والسياسي لمغرب ما قبل الحماية"؟ وكيف يمكن، في المقابل، تفسير ذلك التركيز من قبل الوطنيين على كل ما يثبت العكس و(العكس فقط) ؟
إننا هنا إزاء منظورين متعارضين لمجتمع واحد: (هو المجتمع المغربي قبل مرحلة الاستعمار الفرنسي)، وكلا المنظورين لا يخلوان بالطبع من مصاعب وقصور "في الإحاطة بالعلاقة بين هذا المجتمع ونظام حكمه"(82). وهكذا، وكما يذهب الأستاذ عبد الله حمودي، نجدنا أمام صورتين لا تعكسان بالضرورة الواقع الفعلي لهذا المجتمع، إذ "يظهر أن الصورة الأولى عاجزة عن رصد قبول الناس ورضاهم، في حين أن الصورة الثانية لا يمكن أن تفسر عنف الحكم. وكلتا الصورتين لا تستفيدان من شيء جوهري، وهو أن التمرد واستعمال القوة كانا من حين لآخر ينتشران، سواء في البلاد التي تحكمها بيروقراطية السلطان أو في المناطق المنشقة. وإذا قرأنا الأخبار جيدا، يتضح أن جنود السلطة المركزية كانت تحارب في السهول كما في الجبال (...) وأن تحصيل الجبايات قلما يتم بدون استعراض القوة "(83).
علاوة على ذلك، وكما تشهد الوقائع والأحداث التاريخية، لا يمكن أن تستثني من هذا السياق حتى (المدن)، فهي الأخرى كانت تثور(84). كما كانت لها "تنظيماتها الذاتية" و"قواتها" أيضا؛ وهذا ما كان مجسدا في إطار تنظيم "الطوائف الحرفية" و"الحناطي"، التي كانت مؤطرة من قبل الطرق الصوفية(85). وإذا ما رجعنا إلى (القبائل)، فإنها كانت تشهد "دوما توالد المراكز المحلية والإقليمية التي تقوم بدور التعبئة، وتتمثل في "القصبة" و"الزاوية"(86). لكن، وبرغم تنافس هذه المراكز مع "السلطة المركزية" – خاصة فيما يتعلق بتدبير ومراقبة المجال والموارد والبشر– فإنه، مع ذلك، ظلت العلاقة بينهما علاقة ملتبسة قائمة على التعاون والصراع"(87)، ولا يمكن فهمها إلا في إطار جدلي.
في سياق هذه الجدلية إذن، ينبغي تأطير وفهم علاقة السلطة بالمجتمع كعلاقة ظلت تتأرجح بين: (العنف والدبلوماسية)، (الصراع والإخضاع)، (الإغارة والمناورة)، (الترغيب والترهيب)...إلى غير ذلك من الأشكال والسيرورات.
لائحة المراجع:
-(*) بطبيعة الحال لا يمكن نفي أو تجاهل جوانب من الاستمرارية، وبشكل قوي أحيانا، لبعض الثوابت الإيديولوجية والتنظيمية المتوارثة عن تنظيم الزوايا؛ من داخل النسق السياسي المغربي المعاصر: فسواء تعلق الأمر بالأحزاب السياسية، حيث يرى البعض بأنها مجرد امتداد لتنظيم الزوايا (أطروحة P.Rizitte حول الأحزاب السياسية بالمغرب) ، أو تعلق الأمر بالمؤسسة الملكية التي تستمد معظم رموز شرعيتها ومشروعيتها أيضا من هذا التنظيم: (الإيديولوجية الشرفاوية، البركة، الخدمة، الإنعام، الطبيعة التحكيمية لشخص الملك،...) ، وحتى على مستوى تنظيمات الإسلام السياسي أيضا (جماعة العدل والإحسان نموذجا)، قد نجد هناك استمرارية قوية لبعض الثوابت التنظيمية والإيديولوجية للزاوية (الزاوية البودشيشية)؛ خاصة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الشيخ ومريديه والطقوس التي تهيكلها.
- (1) عبد اللطيف أكنوش:"السلطة والمؤسسات السياسية في مغرب الأمس واليوم"، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر، الدار البيضاء 1988 ص18.
-(2) نفسه ص.ص (18-19).
-(3) voir à ce propos : André Adam : « Bibliographie critique de sociologie, d’ethnologie et de géographie humaine du Maroc », Alger, 1972.
-(4) إدموند بورك:"البعثة العلمية: العلوم الاجتماعية والسياسة في عصر الإمبريالية"، ترجمة: زبيدة بورحيل، المجلة المغربية للاقتصاد والمجتمع، عدد (5-6)، 1981.
-(5) بنسالم حميش:"العرب والبربر في مختبر التاريخ الاستعماري"، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 13 أكتوبر 1995.
-(6) عبد الحميد احساين:"فرنسا والمسألة الأمازيغية قبل سنة 1912"، مجلة أمل، العدد الأول، السنة الأولى 1992. ص 16.
-(7) voir à ce propos : R.Montagne : « Les berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc, essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires groupe cheluh », Ed. Alcan; Paris 1930.
-(8) جون واتربوري:"الملكية والنخبة السياسية بالمغرب"، ترجمة ماجد نعمة وعبود عطية، دار الوحدة للطباعة والنشر؛ الطبعة الأولى، بيروت 1982. ص ص(71-72).
-(9) عبد اللطيف أكنوش:"مرجع سابق، ص ص. (21-22).
-(10) « Renseignements coloniaux », in bulletin du comité de l’Afrique Français, N° 11 Bis, Novembre 1904, P. 290. Voir aussi : PP (285-293).
-(11) voir à ce propos Abdellah Laroui : « Les origines sociales et culturelles du nationalisme Marocain : 1830-1912 ». Ed. Maspero, Paris 1977. Pp (134-135).
-(12) Michaux Bellaire : « A propos du Rif », archives Marocaines (Tomes 26-27) ; 1926. Pp (232-233).
-(13) Ibid, P232.
-(14) Ibid, PP (232-233).
-(15) Ibid, P 229.
-(16) Ibid, P 233.
-(17) هذا ما أكدناه من خلال بحثنا الميداني حول هذه الزاوية وغيرها من الزوايا الخمليشية بالريف الأوسط. ويمكن الرجوع في هذا الصدد إلى:
-محمد جحاح: "الزوايا، المجتمع والسلطة بالمغرب"- دراسة سوسيو-أنثروبولوجية حول الزاوية الخمليشية. أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع، نوقشت بكلية الآداب، ظهرالمهراز/ فاس:2001 (غير منشورة).
-(18) George Drague : « Esquisse d’histoire religieuse du Maroc », Ed. Peyronnet, Paris 1951. Pp (126-144).
-(19) L.Provençal : « Les historiens des chorfas », Ed. Afrique orient, collection Archives- Casablanca 1991. p 43.
-(20) Ibid, PP (43-44).
-(21) جورج دراك:"مجمل التاريخ الديني للمغرب"، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي؛ العدد (13/14)، السنة الرابعة-خريف: 1996. ص 120.
-(22) نفسه، ص 120.
-(23) نفسه، ص 120.
-(24) نفسه، ص 121.
-(25) نفسه، ص 123.
-(26) نفسه، ص ص. ( 129-128).
-(27) نفسه، ص 129.
-(28) نفسه، ص 129.
-(29) راجع الصفحات (120-134) نفسه.
-(30) voir à ce propos : R.Montagne, op cité.
-(31) يمكن الرجوع بهذا الخصوص إلى : جورج دراك، (م.س) ، ص ص (119-134).
-(32) راجع بخصوص هذه الزاوية ومغامراتها السياسية:
-محمد حجي:"الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي"، المطبعة الوطنية؛ الطبعة الأولى- الرباط 1964.
-(33) Parmi ces œuvres on peut citer :
-Dechenier : « recherches historiques sur les maures et histoire de l’empire du Maroc », in poly type, Paris, 1787.
-Lempière (G) : « voyages dans l’empire du Maroc et dans le royaume de Fès, fait dans les années 1790-1791 », Tavernier, Paris, 1801.
-Raynal (Abbé), auv. Posthine : « histoire philosophique et politique des établissements du commerce européens dans l’Afrique septentrionale », Amable, Costes, Paris, 1826.
-(34) شارل أندري جوليان:"تاريخ إفريقيا الشمالية"، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة. الدار التونسية للنشر؛ ص 29.
-(35) نفس المرجع، ص 35.
-(36) بنسالم حميش: "العرب والبربر..."، (م.س) ، ص 4.
-(37) شارل أندري جوليان، نفسه، ص.ص (34-35).
-(38) بنسالم حميش، نفسه، ص5.
-(39) هذا هو التبرير الذي يقدمه (غوتي) كغطاء للدخول الفرنسي إلى المغرب، راجع بنسالم حميش، نفسه، ص 5.
-(40) G.Huguet : « Latins et Berbères », Expositions Franco-marocaines de Casablanca, in conférences Franco-marocaines, Tome II, éd. Plan Nourit et Cie, 1917, PP (179-199).
-(41) Dorra Mahfoudh : « Essai d’analyse critique des recherches sociologiques pendant la période coloniale en Tunisie », in Héspéris Tamuda-(Vol. 26/27) 1988-1989. p 261.
-(42) Ibid, P 264.
-(43) Charles André Julien : « Le Maroc face aux impérialismes : 1415-1956 », Ed. J.A- Paris 1978. p 99.
يجب التنويه هنا إلى أن هذا الباحث قد قدم نقدا ذاتيا لأعماله السابقة التي كانت تؤطر ضمن (الأطروحة الكولونيالية)، ومن ضمنها المرجع السابق الذكر:"تاريخ إفريقيا الشمالية".
-(44) Ibid, P 100.
-(45) Ibid, PP (99-100).
-(46) R.Montagne, op cité.
-(47) أنظر: عبد الجليل حليم: "البحث السوسيولوجي بالمغرب" ، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية- فاس: عدد (2-3) 1979. ص 25.
-(48) راجع بهذا الخصوص: ميشو بيلير " السوسيولوجيا المغربية"، مجلة أبحاث، عدد (9 - 10) السنة الثالثة؛ شتاء 1986. ص ص 28-41.
-(48 مكرر) عبد الحميد احساين، مرجع سابق، ص 17.
-(49) جون واتربوري:"الملكية والنخبة السياسية"، (م.س)، ص 121.
-(50) voir à ce propos : A.Laroui : « Les origines… », op cité, P 133.
-(51) جون واتربوري، نفسه، ص 24.
-(52) جورج دراك، مرجع سابق، ص 121.
-(53) جون واتربوري، نفسه، ص 31.
-(54) براين تورنر: "علم الاجتماع والإسلام، دراسة نقدية لفكر ماكس فيبر"، ترجمة أبو بكر باقادر؛ دار القلم- الطبعة الأولى 1987. ص 105.
-(55) نكتفي بالإحالة هنا على كل من:
-ألبير عياش: "المغرب والاستعمار: حصيلة السيطرة الفرنسية"، ترجمة عبد القادر الشاوي ونور الدين سعودي. دار الخطابي للطباعة والنشر؛ الطبعة الأولى- الدار البيضاء 1985.
-جون واتربوري:"الملكية والنخبة السياسية..."، (م.س).
-C.André Julien : «Le Maroc face aux impérialismes », op cité.
-(56) Paul Pascon et Vander Wusten : « Les Bni Boufrah, essai d’écologie sociale d’une vallée Rifaine », Productions industrielles- Rabat 1983. p 103.
-(57) voir à ce propos : C.A.Julien, op cité, P 100.
-(58) ج.واتربوري، (م.س) ، ص 44، أنظر أيضا: ص ص (39- 85) بخصوص تناقضات نظام الحماية.
-(60) C.A.Julien, op cité, P100.
-(61) عمر بن عبد الجليل:"السياسة البربرية والثقافة القومية"، مجلة أمل، عدد (1) السنة الأولى، ص 153.
-(62) نفسه، ص 153.
-(63) ج.واتربوري، (م.س) ، ص 48.
-(64) بخصوص الأطروحة الوطنية، نكتفي بالإحالة هنا على الأستاذ عبد الله العروي الذي كتب الشيء الكثير حول الموضوع. وفي هذا الإطار يعتبر كتابه:"الجذور الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية المغربية"، المرجع الأساس بالنسبة لباقي الدراسات الوطنية الأخرى.
-voir à ce propos : A.Laroui : « Les origines… », Op cité.
-(65) كنموذج لهذه الدراسات، نورد هنا المراجع التالية على سبيل المقارنة والتحليل:
-A.Laroui : « Les origines.. », op cit.
-علي المحمدي:"السلطة والمجتمع في المغرب - نموذج آيت باعمران"، دار توبقال للنشر- الطبعة الأولى، الدار البيضاء 1990.
-عبد اللطيف أكنوش: "السلطة والمؤسسات السياسية..."، (م.س).
-محمد حجي:"الزاوي الدلائية.."، (م.س).
-أحمد بوكاري: "الزاوية الشرقاوية - زاوية أبي الجعد - دورها الإجتماعي والسياسي"، مطبعة النجاح الجديدة- الطبعة الأولى، الدار البيضاء 1989 (جزآن).
-(66) A.Laroui : « Les origines… », Op cité.
-(67) نقصد بالتحديد المرجعين التاليين:
-ع.الله العروي: "ثقافتنا في ضوء التاريخ"، نشر المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة- بيروت/البيضاء 1992.
-A.Laroui : « Les origines.. », op cité.
-(68) Ibid, P 124.
-(69) Ibid, PP (120-122).
-(70) Ibid, PP (120-121).
-(71) Ibid, P121.
-(72) Ibid, P 139.
-(73) Ibid, P 97.
-(74) Ibid, P96.
-(75) محمد جحاح: "الزوايا، المجتمع والسلطة بالمغرب: دراسة سوسيو -أنثروبولوجية حول الزاوية الخمليشية بالريف الأوسط"، أطروحة دكتوراه في علم الاجتماع، تحت إشراف د.بوزيان بوشنفاتي / كلية الآداب، ظهر المهراز- فاس 2001 (غير منشورة) .
-(76) في تعريفنا للزاوية كتنظيم، نؤكد على أن هذه الأخيرة تعتبر تجاوزا للأشكال التنظيمية الصوفية السابقة (الرباط، الطريقة)، من حيث الحضور التاريخي والفعل السوسيولوجي؛ وفي نفس الوقت فهي تركيب جدلي متطور لأهمها (كبنيات منصهرة ومندمجة من داخل البناء العام للتنظيم). وهكذا فإنه لا يمكن الحديث عن زاوية بالمفهوم السوسيولوجي إلا إذا توفرت الشروط أو البنيات المحددة التالية: 1- بنية الصلاح، أو الأساس الكرامي 2- بنية الطريقة الصوفية، أو الأساس المذهبي/الإيديولوجي 3- بنية الشرف، أو الأساس الجينيالوجي 4- بنية المجال، أو الأساس المادي/البشري.
-(77) محمد شقير: "التنظيمات السياسية بالمغرب"، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، مطبعة المعارف الجديدة- الرباط 1993، ص59.
-(78) عبد الله حمودي: "الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة"، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى- البيضاء 2000، ص ص (101-104).
-(79) نفسه، ص 101.
-(80) نفسه، ص 101.
-(81) بخصوص نقد حمودي لهؤلاء، راجع ص ص (100-104) ، نفسه.
-(82) نفسه، ص 101.
-(83) نفسه، ص 101.
-(84) نفسه، ص 101.
-(85) voir à ce propos Louis Massignon : « enquête sur les corporations d’artisans et de commerçants au Maroc 1923-1924 », R.M.M- Tome (58), 2éme section Ed : Ernest Leroux 1974, pp (139-148).
-(86) عبد الله حمودي، نفسه، ص 102.
-(87) نفسه، ص 102.