التكوين والتواصل داخل المقاولة
الاستاذ ابراهيم حمداوي باحث سوسيولوجي
يحتل التكوين والتواصل أهمية كبرى في مخططات وبرامج المقاولة ويعتبر التكوين والتواصل من بين الأسس والمرتكزات التي يعتمد عليها الفاعلين في هذا المجال من أجل تدبير عقلاني للموارد البشرية، نظرا لما تكتسيه هذه البرامج من أهمية خاصة فيما يتعلق بتحفيز أفراد التنظيم، وإدماجهم في عملية الإنتاج انطلاقا من سياسة تواصلية حديثة لتفعيل آليات اشتغال المقاولة.
وعلى هذا الأساس فإن التدريب الذي قمنا بها منحنا معرفة ابريقية لما يجري في المقاولة، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعاني بشكل ملحوظ من مشاكل عديدة في هذا المجال، فما هي إذن العوائق التي تعترض سبيل المقاولات في هذا المجال؟ وهل هناك قوانين تنظم مجال التكوين؟ وكيف يتعامل الفاعلين مع هذه المواضيع؟ أ-سياسة التكوين
إذا كان التكوين يرتكز على مناهج ومخططات تتماشى وطبيعة الوظائف التي تمارسها المقاولة، فإن أهميته تكمن في الأهداف التي يمكن تحقيقها خلال العملية الإنتاجية، سواء كانت أهداف مرتبطة بالتنظيم أم بالأفراد الذين يعملون على تحقيق تلك الأهداف. وعلى هذا الأساس فإن البحث عن طرق حديثة في مجال التكوين قد تساهم في تطوير آليات اشتغال المقاولات، وهكذا أصبح الحديث عن أنماط متعددة من التكوين، وضمنها التكوين المستمر.
في الواقع هناك القلة من المقاولات التي تتخذ برامج ومخططات لتكوين أفرادها، لأن الأمر يتعلق بتكلفة التكوين. ففي الغالب نجد المسؤولين عن المقاولات يعتبرون برامج التكوين مجرد تكلفة تنهك كاهل المقاولة ولهذا فهم يريدون الحفاظ على الوضع القائم ويرفضون كل تجديد نظرا للعوائق التي يمكن أن تعترض سبيل المقاولة في حالة عدم وجود كفاءات ومؤهلات قادرة على تحديث آليات اشتغال المقاولة.
كما أن مسألة التكوين تتطلب إطارا قانونيا يسمح للمقاولات بتكوين أفرادها، وهذا التكوين يفرض عطلة خاصة بالفرد من أجل تكوينه ولكن هذه العطلة يضرب لها ألف حساب من طرف المقاولين كما يعتبرون دلك ضياع للوقت وهذه المسألة تشكل عبئا ثقيلا بالنسبة للمقاولين دون مراعاة أهمية التكوين على المدى البعيد، لأن هؤلاء المقاولين يهتمون بالأشياء التي يمكن أن تحقق أهدافهم في وقت وجيز، كما أن مسألة التكوين يمكن النظر إليها من زاوية أخرى تلك الزاوية التي تتعلق بمن الذي له الأولوية في التكوين، هل الذين تتوفر فيهم شروط الأقدمية أم الأفراد الذين يتوفرون على مؤهلات خاصة ويريدون تطويرها للنهوض بالتنظيم الذي يشتغلون به. وفي هذا المضمار يطرح مسألة الرضى عن إجراء بالتكوين، ولهذا يكون على التنظيم أن يقوم بعملية تمهيدية لكي يصبح الفرد قادرا على ممارسة هذا الفعل، ومن تم تحدد طبيعة التكوين الذي يتم إجرائه والحاجيات الضرورية لذلك، مع توضيح التقنيات وأساليب العمل وبعد المرحلة التمهيدية فإن الفرد يكون أمام المرحلة العملية التي يتم خلالها التعاطي مع المرشح من خلال تحديد معارفه وكفاءاته ومؤهلاته، مع دراسة إمكانية تطورها، وأخيرا يتم التعرف على النتائج المتوقعة لإنجاز المشروع المهني ومشروع التكوين، بمشاركة الفاعلين الذين ينتمون إلى التنظيم، ومن تم تكون مساهمتهم فعالة إلى جانب الدولة من أجل إنجاز هذا المشروع لتحقيق نوع من الرقي، وهكذا يصبح التكوين متعدد الأهداف فهو بذلك وسيلة لتنمية ثقافة الأفراد والرفع من مستواهم الاجتماعي، ومن جهة أخرى يعتبر التكوين أداة رهن إشارة المقاولة لتحقيق الإنتاجية. فالمسؤولون عن التكوين يعملون على التوفيق بين الجانب الاجتماعي والجانب المقاولاتي، أي التوفيق بين الأطروحتين، بين أطروحة تهدف إلى تحقيق المصالح الخاصة بالأفراد الذين يقومون بعملية الإنتاج وتحقيق أهداف المقاولة التي تدر على أصحابها مردودية أكثر كلما كانت استراتيجية التكوين تراعى فيها واقع التنظيم التي تتأسس ضمنه مخططات التكوين.
وبالتالي فالتكوين رهان فردي مرتبط بحاجيات وأهداف الأفراد، كما أنه يعبر عن حاجيات حقيقية للمقاولة ويرتبط بالتحولات التي يعرفها المجتمع، وهكذا فهو بذلك رهان استراتيجي يحمي ويقي المقاولة من الظروف المتغيرة. وعلى المسؤولين التراثيين معرفة ما تحتاجه المقاولة من أنماط التكوين التي تساهم في مسايرة التغيرات التكنولوجية والتنظيمية، والعمل على مواجهة التحديات التي تعرفها المقاولة من تنافس وتجديد في هياكلها، من خلال تطوير مؤهلات وكفاءات الأفراد. فرغم أن أي مقاولة تريد تجديد آلياتها، فإنها قد لا تعرف الحاجيات الضرورية للتكوين، لهذا يقتضي في البداية وجود فاعلين قادرين على مسايرة التطورات من خلال إدماج برامج التكوين ضمن مخططات السياسة التي تتبعها المقاولة، ولهذا يكون للمسؤول التراثي دور أساسي في معرفة الحاجيات والعقبات التي تعترض الأفراد ومن تم ينبغي تكوينهم على غرار ما تتطلبه المقاولة.
فهي مستوى القمة مصلحة التكوين أو بالأحرى المصلحة المكلفة بالأفراد تعمل على برمجة وتخطيط أشكال التكوين التي يتبعها الأفراد وذلك من خلال معرفة حياتهم المهنية والتكوين الذي يتوفر عليه الفرد وما ينبغي إضافته من مؤهلات عن تلك التي يملكها، وعلى مستوى القاعدة فالمصلحة تدرس الاقتراحات والاختيارات التي تقررها الإدارة والطرق التي ينبغي اتباعها من أجل برنامج متكامل. وهكذا فبرنامج التكوين يترجم الاختيارات التي تمت صياغتها على مستويات التكوين. وهذا يتم عن طريق تحديد الوسائل المتبعة ثم الأهداف التي يسعى إليها، وهذه الأهداف يمكن أن تمس جميع مكونات التنظيم سواء على المستوى الداخلي، من أفراد التنظيم أو رؤساء، كما أنها تلعب الدور الأساسي في تسهيل عملية التواصل بين المستوى الداخلي والمستوى الخارجي إذ تحقق أهداف الزبناء بشكل عام. ب.نسق التواصل
بخصوص مسألة التواصل التي تنظم النسق المكون للمؤسسة والتي تكمن أهميتها في تسهيل عملية التواصل سواء على المستوى العمودي أو على المستوى الأفقي، كما أن آليات التواصل رغم تعددها فإنها تلعب دورا مهما وأساسيا في تدبير الوقت، فما هي قنوات التواصل؟ وما هي المنظومة التي تشكل نسق التواصل بالمؤسسة؟
إن مفهوم التواصل يرتبط بتوصيل المعلومات من المرسل إلى المستقبل، في وضعية جد مناسبة، ولا تخل بالنسق العام، فما هي الوضعية التي يتم بها التواصل بالمؤسسة؟ وما هي أنماط التواصل؟ إن عملية التواصل تتم إما بطرق شفوية، وكتابية، وبواسطة الإشارات والرموز،… لكن السؤال الجوهري الذي يمكن طرحه خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتواصل داخل التنظيم كيف يتم استعمال هذه الوسائل لتحقيق الهدف؟ من يتكلم، وما ذا يقول؟ وما هي الإدارات التي يستعملها الأفراد؟
وبما أن التواصل يتطلب قناة بين المرسل والمستقبل فإن للمعلومة دور أساسي في عملية التواصل لأن من يكتسب المعلومة يكتسب سلطة، وبهذا يكون من الصعب جدا معرفة العلاقات التواصلية بين الأفراد، فرغم إن التكنولوجيا قد عملت على نشر المعلومات وتسهيل طرق التواصل إلا أنها زادت من تعقد العلاقات بين الرؤساء والمرؤوسين.فإذا كان الهاتف والكومبيوتر يسهلا عملية التواصل فإن هذه الأدوات لا يمكن أن تحل المشاكل التي يعاني منها التنظيم لأن الأمر يتعلق بنسق أكثر تعقدا، لأن الأمر يتطلب تكوينه في مجال التواصل وتطوير طرق التواصل بين الأفراد، ومن تم لابد من تطور الكفاءات التي يمكن تكتسب تقنيات حديثة في مجال التواصل ينبغي معرفة كيف نتصل؟ وما هو الخطاب الذي يجب أن نوظفه خلال عملية التواصل، ولماذا نستعمل خطاب من نوع خاص ولا نستعمل خطابات أخرى؟
في الواقع أن مسألة التواصل تتم من خلال نسق متداخل، تتداخل فيه جميع القوى المكونة للتنظيم، والتواصل يكون هادفا إذا كانت عناصر النسق تشكل وحدة، ولا تكون هناك اختلافات حادة بين الفاعلين، والتواصل ضروري لتفكيك الاختلالات والنزاعات التي تتم بين تعارضات مختلفة ثقافيا أو إديولوجيا أو سياسيا، لأن غياب تواصل فعال قد يشكل عائقا أمام تطور التنظيم، خصوصا وأن المدة قد تتسع بين مستويات التنظيم مما يؤدي إلى تباعد بين أفراد التنظيم، ويخلق نوعا من الروتين البروقراطي.
ولكي يؤدي الأفراد مهامهم على أحسن وجه، لا بد من العمل في جو يسوده التواصل، لكي يكون هناك تقارب بين أفراد التنظيم ويكون نوع من التشارك والتعاون، وهناك يكمن الدور الأساسي الذي يمكن أن يلعبه التواصل، لأن كل تواصل يفترض علاقة سلطة، وعملية توزيع السلطة يمكن أن توضح أكثر عملية تفعيل التواصل، لأن الأمر يرتبط بمسألة المشاركة مشاركة أفراد في عملية الإنتاج وليس من أجل سن عقوبات أو ابتزازات، لأن هذه الأنواع من التسيير قد تؤدي إلى فشل في طرق التنظيم، والأفراد قد يتصرفوا عكس ما يمكن أن تجبرهم على القيام به. لهذا فوضوح المهام مسألة أساسية في عملية التواصل، لأن المستقبل للمداومة يدرك جيدا أن المعلومة التي قد تصله من المهام المتخصص فيها. ومن أهم ما يمكن معالجته في هذا الصدد هو سلوك الموظف اتجاه زملائه فمسألة من هذا النوع تحتم على كل فرد أن يسلك سلوكا عقلانيا خاليا من المراوغات والإديولوجيات، كما أن التعاون والتشارك وتدارك المواقف تتطلب تجنب الصراعات من خلال تواصل جاد وفعال، استنادا على وسائل يمكن أن يكتسبها الفرد عبر تجربته اليومية، لكن هذه التجربة غير كافية، لهذا يمكن أن يستفيد أكثر من عملية التكوين في هذا المجال.